تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التناقض في ماهية الله بوجه عام:

الله هو ماهية الإنسان التي تتحول إلى ماهية فوق إنسانية

Surhumain . الله ماهية خالصة وكائن شخصي في آن واحد، عام وخاص، كلي وجزئي، شامل ومحدود، هذا هو التناقض. فما يجب أن يكون ينفي بالضرورة ما هو كائن. والله الذي لا يسمع لصلواتنا ولا يرعانا ولا يعتني بنا لا يكون إلها وبالتالي تتحول الإنسانية إلى صفة لله. ولما كان ذلك لا يكفي نسب إليه الإنسان صفة ما فوق الإنسان وما فوق الطبيعة. فالله تأليه. والوحدة هنا جزء لا يتجزأ من الله. ثم أتى اللاهوت وأغرق ذلك في خضم من الأوهام والخيالات والتناقضات والسفسطات. فمثلا يقول اللاهوت: «إن الله يتجاوز حدود الفهم وسر لا يمكن النفاذ إليه.» وينقل صفة معروفة إلى صفة أخرى غير معروفة، وصفة طبيعية إلى صفة أخرى فوق الطبيعية للإيهام بأن الله مخالف للإنسان. وعدم الفهم هذا موقف انفعالي يتدخل فيه الخيال الذي هو العضو والماهية الأصلية للدين. لا نهائية الله لا نهائية كمية لأنها صفة إنسانية مقلوبة، الإنسان كم. الله موجود حسي سلب منه الحس، وحل محله الخيال، وهو حس بلا حدود. فالله خالد مطلقا وعالم مطلقا أي حس مدفوع إلى آخر حدوده. فالخلود والحضور على الإطلاق صفات حسية. ووظيفة الخيال توسيع أفق الحس. الأنا المحدود والنسبي المحدود يتم إطلاقهما بالخيال، وهكذا الحال في باقي الصفات. فالبداية هي الحس والواقع الجزئي (وبالتالي كانت الوثنية أقرب إلى الدين الصحيح . الله إذن هو ضرب الإنسان في نفسه إلى ما لا نهاية فيصبح الله كل شيء، كل خير وكل وجود، ويكون الخلاف بين الله والإنسان مجرد خلاف في الكم لا في الكيف. ليس الدين في حاجة إلى عقل بل في حاجة إلى خيال. الدين نفسه تعويض عن نقص الحضارة، فالمتدين ليس في حاجة إلى ثقافة. هو سعيد بخياله، ولا يحتاج إلى الخروج عن ذاته. المسيحية بماهيتها لا تفهم مبدأ الحضارة. لذلك كان العبرانيون على عكس اليونان). (ومثل ثان لتناقضات اللاهوت هو مفهوم النشاط أو العمل أو الصنع أو الخلق؛ ففي الفعل يجد الإنسان نفسه حرا سعيدا بلا حدود في حين أنه يجد نفسه في الانفعال محدودا، مقهورا، شقيا. الفعل هو الشعور الإيجابي للذات. ويحدث الشيء نفسه بالنسبة لله. فالله هو السرور أو الفرح اللامحدود نتيجة للفعل، فيخلق كل شيء. ونجاح الفعل ودقة الصنع إنما ينشآن من أننا نحب ما نفعل. الخلق إذن نظرية سهلة لتفسير العالم تدل على عدم تحمل الذهن وسيادة العاطفة لسد نقص غياب نظرية فيزيقية للعالم في الدين.) (لقد وضعت المسيحية أمام الوثنية التي تفسر نشأة العالم على نحو طبيعي نظرية ذاتية عاطفية عملية بل أقرب إلى الأسطورة منها إلى النظرية وهي الخلق. ولما كان من الضروري التمييز بين عمل الإنسان وعمل الله فتم تصور الخلق من عدم لنفي أي تشابه أو تماثل بينهما.) (ومثال ثالث هو توليد الابن من الآب، توليدا خارقا للعادة من فوق الطبيعة وتمييزه عن التوليد الطبيعي، توليدا ليس له حدود، ضد العقل وضد الطبيعة من فعل الخيال، وهما خداعا، بالرغم من محاولته تفسير البعيد بالقريب، والأسمى بالأدنى، وما فوق الطبيعي بالطبيعي. ومثال رابع، تصور الفردية أو الاستقلال أو الشخصية. فالله شخص يرسل وحيا، وصفاته صفات الإنسان، والشخص ضد وحدة الوجود الذي هو في قلب المسيحية. فاللوجوس هو الإنسان السر، المتضمن، الخفي. والإنسان هو اللوجوس الظاهر المتجلي. الله حي مثل الإنسان، والدين هو الإنسان قاسما نفسه قسمين بفعل الخيال.) (5)

التناقض في النظرة التأملية لله :

وهي نظرية المثالية الألمانية سواء في صورتها الصوفية عند جاكوب بوهمه أو في صورتها الفلسفية الميتافيزيقية عند اسبينوزا وكانط وهيجل وشلنج. وهي النظرية التي تجعل الله تصورا عقليا، وأنه لا يوجد إلا من خلال الإدراك الإنساني كما أن الإنسان يوجد من خلال الإدراك الإلهي، ولكن الدين يجعل من الشخصية الإلهية الوسيلة التي يقلب الإنسان بها تحديداته وتمثلاته لماهيته الخاصة إلى تحديدات وتمثلات لموجود آخر خارجه. فالشخصية الإلهية ليست إلا إخراج الشخصية الإنسانية من موضعتها. لقد حول هيجل الشعور الذي لدى الإنسان عن الله إلى شعور الله بذاته. فأصبح الله موضوع ذهننا وتصوراتنا. وأصبح هذا الموضوع الفكري هو الموضوع الفكري لله. يذهب التأمل إذن أبعد مما يذهب الدين؛ لأن الله كموجود فكري ليس هو الله كموضوع خارجي. الله موجود داخلي روحي فكري شعوري، فعل داخلي محض. هذه الموضوعية التأملية تعني شيئين: الأول أن الله موضوع لفكرنا والثاني أن الله موضوع لفكر نفسه. أصبح الله في الفلسفة التأملية شعورا ذاتيا خالصا، يفكر في ذاته، كإله اليونان. وهذه هي النزعة الوجدانية الإنسانية في الدين. وطالما أن الله لا يعرف إلا من خلال الإنسان، فهو إنسان مشخص. الإنسان لا شيء بدون الله، والله لا شيء بدون الإنسان. في الإنسان وحده يصبح الله موضوعا كإله، وتصبح كل تحديدات الإنسان وصفاته الفيزيقية والعاطفية تحديدات وصفات لله. لقد بدأ جاكوب بوهمه بالكشف عن عواطف الإنسان ثم أخرجها وشخصها فأصبحت إلها (ومع أن الله عند شلنج يجمع بين قوى عديدة إلا أنه غير قادر بالفعل. الشعور الديني أكثر عقلانية منه لأنه يكشف عن ذاته ويتحقق من خلال الإنسان الواقعي بالطبيعة الفعلية. الإنسان هو الدم الذي ينطق بمدائح الله. فالعاطفة التي يشعر بها الإنسان تجاه الله هي نفس العاطفة التي يشعر بها الله تجاه ذاته. وعند هيجل أيضا، شعور الإنسان بالله هو شعور الله بذاته. فالشعور الإنساني هو شعور إلهي، واغتراب الإنسان عن شعوره هو جعله إياه شعورا إلهيا موضوعيا. فلماذا يوصف الله بصفات الإنسان؟ لماذا يكون الله شعورا في الإنسان وللإنسان ماهية الله؟ لماذا يكون لله ماهية وللإنسان شعور؟ لأن المعرفة التي عند الإنسان عن الله هي نفس المعرفة التي عند الله عن ذاته؛ وبالتالي يصبح كل اتجاه تأملي في الدين اغترابا، فالدين لا يجعل الإنسان متأملا في الكون بل يجعله فاعلا فيه. ويكون موقف هيجل بفلسفته التأملية موقفا مغتربا). (6)

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٨٧