تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التناقض في وجود الله:

الدين هو علاقة الإنسان بماهيته الخاصة ولكنها ماهية منفصلة عنه، خارجة منه، غريبة عليه بل ومعارضة له. وهنا يكون الموقف الزائف المعارض للعقل والأخلاق وللطبيعة. وهنا ينشأ الخيال الديني ليصور الموقف الزائف وليحدث كل المآسي الدينية في التاريخ. إن حضور الماهية الإنسانية المنفصلة عنه رؤية إرادية صبيانية ساذجة تميز بين الإنسان والله ثم توحد بينهما. وبمجرد نشأة الفكر وعمل الذهن واستيقاظ الشعور المزيف ينشأ اللاهوت وتتحول الرؤية اللاإرادية إلى رؤية قصدية واعية من أجل تفريغ هذه الوحدة والتمايز خارج الشعور بعد بدايتها فيه. كلما كان الدين في بدايته لم يكن هناك فرق بين الإنسان والله. فكان العبراني القديم يفصل بين الله والإنسان في الوجود ولكنه في الصفات يعطي الله كل صفات الإنسان. وقد تم التغلب على ذلك في اليهودية المتأخرة بالرمز. وقد حدث الأمر نفسه في المسيحية، فلم تظهر ألوهية المسيح إلا متأخرا خاصة عند بولس والكنيسة البدائية. كانت أول محاولة للفصل بين الله والإنسان واعتبار الله خارج الإنسان في وجود الله ومحاولة البرهنة عليه بالبراهين العقلية، ولكن هذه البراهين تناقض جوهر الدين. فالله هو ما لا يتصور الإنسان أعظم منه كما هو الحال في الدليل الأنطولوجي أي ما يعبر عن الإنسان (وما يعتبره الإنسان أسمى وأعظم ما هو إلا هاد للعقل وأخلاق للعاطفة والتمني والرغبات. فعواطفه اعتقاده هو الله بالنسبة له في حين أن الوجود هو الوجود الحسي العياني الذي لا يمكن استنباطه؛ ومن ثم يجعل فيورباخ الأحمق على حق وأنسيلم على خطأ في المعركة بين أعداء الدليل الأنطولوجي وأنصاره. الدليل الأنطولوجي مجرد إسقاط ورغبة تولد المرغوب فيه، وتمن يتحول إلى وجود. الله هو نفس القلب الحسي، وما السماء إلا المسرح الحر للانفعالات، ولكن الدين لا يعي هذا القياس اللاشعوري. إن مهمة البراهين على وجود الله إخراج الداخل، وتخريج الانفعالات، وتشخيص العواطف خارج الإنسان وليست إثبات أي موجود واقعي في الخارج. ومن نتائج هذا التناقض أيضا الإلحاد، وهي تهمة لا توجه للمحلدين بل للمؤمنين الذين ينكرون وجود الله الفعلي، ويؤمنون بماهية الإنسان المتموضعة خارجه على أنها إله وهو وهم. وينتج عن الإلحاد نفي لكل المبادئ الخلقية، ونفي وجود الله هو نفي لكل أساس للتمييز بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة. ويقوم الخيال بدور كبير في الإيقاع في الوهم. وقد بدأت دلائل أخرى على وجود الله، وهي التي سماها كانط الدلائل البعدية أو الكونية أو الفيزيقية ابتداء من العالم والحقائق التجريبية والمادية المزدهرة في العصر ولكنها أيضا تبدأ من العالم الحسي ثم تتحول إلى وهم عن طريق تخيل موجود في الخارج. والحقيقة أنه إذا ما تم التوحيد بين الاعتقاد بالله والاعتقاد بالعالم تم القضاء على الزيف وينتهي الاغتراب). (3)

التناقض في الوحي الإلهي:

الوحي هو البرهان الوحيد على وجود الله؛ فالله يكشف عن نفسه من خلال الوحي، ويرسل دليلا حسيا ملموسا على وجوده. فالوحي شهادة من الله على نفسه بأنه موجود. الوحي هو البرهان الوحيد الموضوعي في حين أن البراهين العقلية ذاتية خالصة. الله يتحدث، ويكلم الإنسان، فالوحي هو كلام الله للإنسان، صوت يخلب اللب، ويستولي على المشاعر. الإيمان بالوحي هو ذروة الموضوعية الدينية، يتحول فيه اليقين الذاتي إلى واقعة تاريخية خارجية لا يمكن الشك فيها. لقد برهن الله بنفسه على وجود ذاته. وظهر على أنه إله موضوعي. لم يعد الله إلها لي، بل إله في ذاته له وجوده المستقل عني. الله هو الرابطة المشخصة بين الماهية والجنس (المنطقي)، وبين الطبيعة الإنسانية والشعور الإنساني. وبالرغم من ذلك فإن الوحي يضم عدة تناقضات؛ أولا: أن الإنسان لا يمكنه معرفة شيء عن الله، وأن كل معرفة عبث، وأن الإنسان لا يمكن أن يعلم شيئا عن الله إلا ما يعلمه الله إياه عن نفسه من خلال الوحي. المعرفة الإنسانية مجرد ظن ورأي في حين أن الوحي حقيقة ويقين، وهكذا يتم التنكر للمعرفة الإنسانية والحط من قيمتها والشك فيها وهدمها. ثانيا: الله يفكر في الإنسان ولأنه يرسل إليه وحيا، فالإنسان مقصد الله ومحدثه. ولكن يقع اللاهوتي في خطأ شنيع عندما يجعل الإنسان يفكر في الله، ويجعل الله مقصد الإنسان ومحدثه أي قلب الأنثروبولوجيا إلى ثيولوجيا في حين أن سر الثيولوجيا في الأنثروبولوجيا. ثالثا: الإيمان بالوحي إيمان صبياني، مرتبط بالمراحل الأولى لتطور البشرية. الوحي تربية للجنس البشري من الطفولة إلى المراهقة إلى الشباب. ويختفي بمجرد استقلال الإنسان عقلا وإرادة. وهي الفكرة التي ورثها فيورباخ من فلاسفة التنوير الألمان وعلى رأسهم كانط ولسنج. رابعا: الوحي قضاء على الحس والتذوق الخلقي والجمالي للفضيلة، بل هو قتل وتسميم للحس الإلهي للإنسان، حس الحقيقة والإحساس بها. الوحي حقيقة خاصة محدودة وليس حقيقة عامة وشاملة في كل زمان ومكان، مسطورة في الطبيعة، يدركها الذهن الإنساني؛ لذلك يجب تدوين الوحي في لغته الأولى حتى يتم حفظه في صورته الأولى. خامسا، يعارض الوحي العقل بما فيه من معجزات وخرافات وأساطير. ولما كان الحق لا يعارضه بل الحق يوافقه ويشهد له لزم تأويل نصوص الوحي حتى تتفق مع العقل وتحل التناقضات. سادسا: لما كان الوحي مكتوبا فقد حدث فيه بالضرورة خطأ في النقل والرواية أي في الوحي الموضوعي. ولما كانت الحقيقة أيضا معطاة ذاتيا في الإيمان، حدث تناقض بين الوحي المكتوب والوحي الروحي، وانشطر الإنسان. (4)

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٨٦