تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا ينتهي فيورباخ من هذا الوصف الصحيح للدين على أنه أنثروبولوجيا، أي وضع الإنسان قبل أن يصفه وهو مغترب زائف في ثيولوجيا الدين.

| ثالثا: الجوهر الزائف، أي ثيولوجيا الدين

يبين فيورباخ في القسم الثاني تناقضات اللاهوت أي الثيولوجيا، مبينا أن الثيولوجيا هي تزييف للأنثروبولوجيا وأن ثيولوجيا الدين هي اغتراب لأنثروبولوجيا الدين. ويكشف عن جوهر الدين، ويبين التناقضات اللاهوتية في إثبات وجود الله وفي وصف ماهيته وفي التصورات الفلسفية لله، وفي التثليث وفي الوحي وفي الطقوس وفي الإيمان والحب وفي الإنسان بوجه عام. ويكشف عن هذه التناقضات لا على نحو جدلي كما هو الحال عند هيجل، بل يكشف عنها في الزمان وفي حياة الإنسان وفي شعور الإنسان. وحل هذه التناقضات بإرجاعها إلى مصادرها الأولية في أنثروبولوجيا الدين أي بالقضاء على الزيف والعود إلى الصحيح. (1)

وجهة النظر الجوهرية للدين:

إن وجهة النظر الجوهرية للدين عملية، أي ذاتية! فغاية الدين هي الخير والخلاص. وسعادة الإنسان وعلاقة الإنسان بالله ليست إلا علاقة الإنسان بخلاصه، والله ليس إلا تحقيق الخلاص أو القوة المتناهية لتحقيق الخلاص وسعادة الإنسان؛ لذلك كانت المسيحية عقيدة في الخلاص أكثر منها عقيدة في الله. ولا يتأتى الخلاص بالحصول على نعيم أرضي لأنه انحراف من الله، بل إن الآلام والبؤس والشقاء والأمراض تعتبر امتحانا من الله ووسيلة للتقرب إليه، فالمؤمن هو المصاب. وبصرف النظر عما في ذلك من ماسوشية اللذة في عذاب النفس، فإن ذاتية الألم تميل إلى موضوعية التأليه كتعويض وسند وحماية. في الألم يحتاج الإنسان إلى الله، ويشعر بالله كأنه حاجة، ويدعوه ساعة الضر فإذا كشف الله عنه الضر كأنه لم يدعه بالأمس، فينبسط الإنسان في السرور والفرج وينقبض في الألم والشقاء. في الألم ينفي الإنسان حقيقة العالم، وكل ما يثير الفنان وخياله يضيع معناه، فيغوص في نفسه، ويلجأ إلى العواطف ويكون مثاليا في العالم، طبيعيا في نفسه، مهتما بخلاصه. ويضع الدين ضمن معتقداته اللعنة والبركة، الإدانة والبراءة، العقاب والثواب. فالسعادة للمؤمن، والشقاء لمن لا يؤمن. ولا يلجأ الدين في ذلك إلى العقل بل إلى العاطفة، عواطف الخوف والرجاء، ولا يعرض المسائل نظريا بل يوجهها عمليا، فالدين سلوك عاطفي. ثم يشخص الدين خارج الإنسان وخارج الطبيعة حاجاته وأوهامه في صورة وجود شخص خاص هو الله. ثم يعزو إليه الإنسان كل الخير، كما يعزو إلى الشيطان كل شر. الشيطان هو الشر اللاإرادي الذي لا يمكن تفسيره، والله هو الخير اللاإرادي الذي لا يمكن أيضا تفسيره. فالله والشيطان قرينان، والله موجب والشيطان سالب. ثم يأتي الفضل الإلهي للوقوف أمام قوى الشيطان وقهرها. فالفضل الإلهي من مخترعات العبقرية الدينية، وهو في الحقيقة المصادفة الدينية لأنه بلا شرط أو علة، مجاني يعبر عن الذات، وليس له تبرير موضوعي. الفضل نفي للعلل الثانية وهي العلل المؤثرة في حين أن العالم مستقل ويخضع لقوانين الطبيعة؛ وبالتالي تكون كل الكونيات الدينية تحصيل حاصل وخداع. ولم يزد الخلق شيئا إلا إضافة قصور آلي للكونيات القديمة. لقد وجدت المعجزات في الماضي ولكنها لا توجد في الحاضر أو في المستقبل، فالله تصور يكمل النقص النظري ويفسر ما لا يمكن تفسيره (الله هو ليل الدين، والليل بحر الدين، والمعرفة تحل كل لغز، وتوضح كل غامض، فيتحول الليل إلى نهار، فتظهر شطآن البحر. والصلاة عمل الدين الأساسي، تعبر عن جوهره، الصلاة قادرة على الإطلاق، وما يرغبه المؤمن التقي في صلاته يعطيه الله إياه. والطلبات ليست روحية بل نفعية مادية. الصلاة وسيلة خارجة عن الطبيعة للسيطرة على الطبيعة التي يعجز الفعل الإنساني عن السيطرة عليها. الصلاة إنكار للعلل الثانية وللحرية وللفعل الإنساني، وإثبات للحصول على الغايات عن طريق الواسطة. وحيث يبدأ الدين تبدأ المعجزات، فكل صلاة صادقة معجزة، وفعل لقوة خارقة للعادة. المعجزة تعبير عاطفي عن الدين، وتشبع حاجات عملية نفعية، وتقع في تناقض مع قوانين الطبيعة التي تفرض نفسها على العقل. المعجزة أنانية دينية أو روحية لإشباع حاجات المحتاج. وباختصار تتمثل وجهة النظر الجوهرية للدين في أن الله هو الأنا الآخر، نصف الأنا المفقود، يجد فيه الإنسان نصفه الضائع، وفي أن الدين قتل للعالم وضياع للفن، وتنكر للواقع اللانهائي وللانهائي الواقعي. يستغرق الدين بالله، وينقص نظريته الجمالية، ويضع في الله غائيته الذاتية). (2)

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٨٥