سر التثليث وأم الإله:
كما كان الوجود الكلي هو الذي يعبر عن الإنسان الكلي فإن وعي الإنسان بشموله هو الوعي بالتثليث. يرجع التثليث إلى الوحدة بين التحديدات أو القوى التي تظن أنها منفصلة. يعني التثليث وحدة الشخصية الإنسانية في مقابل تعدد قواها، ووحدة الجماعة الإنسانية في مقابل تكاثر أفرادها. التثليث صورة لشيء حقيقي واقعي كما قال أوغسطين من قبل، مثل الروح والذهن والذاكرة والإرادة والحب. تموضع الوعي بالذات هو أول شخص في التثليث، فالوعي بالذات الإلهية ليس إلا الوعي باعتباره ماهية مطلقة أو إلهية. التثليث هو الوحدة بين الأنا والأنت. الله الآب هو الأنا، والله الابن هو الأنت، الأنا هو الذهني، والأنت هو الحب. واجتماع الذهن والحب أو الأنا والأنت هو الروح أو الإنسان. والله الذي يستبعد الحب والآخر والجماعة إله متعسف. إن الحياة المشتركة هي وحدها الحياة الإلهية الحقيقية المكتفية بذاتها. وهذه هي حقيقة التثليث على نحو غير مباشر أي مقلوبة من الأنثروبولوجيا إلى الثيولوجيا. الروح القدس هي الوحدة بين الله والإنسان. والحقيقة لا يوجد إلا شخصان، والثالث هو الحس أو العلاقة بينهما. ولما كان الحب هو القلب، والقلب هو الإنسان أصبح الشخص الثاني هو التأكيد الذاتي للإنسان، وهو الذي يشارك في الجماعة. هو الحرارة، والآب هو النور، والنور صفة للابن. الابن هو لوعة الحب والحماس. الابن هو الله المتجسد، إنكار الله الأصلي، نفي الله لله.
فإذا كان الابن متناهيا يكون الله بلا أساس، يستولي الابن على القلب لأن الأب الحقيقي للابن الإلهي هو القلب الإنساني لأن الابن ليس إلا القلب الإلهي، أي القلب الإنساني موضوعا لذاته كموجود إلهي. فالأب والابن في التثليث ليس لهما معنى مجازي بل لهما معنى حقيقي. التثليث إذن تموضع الدين داخل الدين. ولما كان الحب في حاجة إلى شخص أنثوي لأن الروح القدس غامض وعام كانت مريم هي التوسط بين الأب والابن. لم تكن مريم في علاقة مباشرة لأن المسيحيين يتصورون العلاقة بين الرجل والمرأة خطيئة. ولما كان الحب بلا طبيعة وهما وخداعا وسرابا فقد أزاحت البروتستانتية أم الإله جانبا بالرغم من عودتها الآن. لم تكن البروتستانتية في حاجة إلى أم سماوية لأنها استقبلت بالأحضان الأم الأرضية برفضها نظام الرهبنة وعزوبية القساوسة. التثليث لا يعني هذا المعنى إلا في الكاثوليكية، وأم الإله لا تعني شيئا إلا للراهبات والرهبان تعويضا عن الحرمان أو في أحسن الأحوال إعلاء وتساميا بالغريزة. ويعني التثليث بوجه عام الغنى في مواجهة الفقر، والإشباع في مقابل الحرمان، والجماعة كنقيض للعزلة، والحس الذي يعكس المجرد. وكلما كانت الحياة فارغة امتلأ الدين. الفقير وحده له غنى، فالله يكفل نقص الإنسان. ما يغيب عن الإنسان يوجد في الله، وما يحضر في الإنسان يغيب عن الله. هذه هي الدلالة العملية لهذه القضية النظرية. (6)
سر اللوجوس والصورة الإلهية:
إذا كانت الدلالة الجوهرية للتثليث تخص الشخص الثاني فإن المعركة في المسيحية كانت حول ابن الله
Homoiousios
المتحد معه في الجوهر
Homoousios (بفارق
i ). فالله مجرد وبارد بلا صورة. والصورة مصدرها الخيال. والشخص الثاني في الله من قوة الخيال؛ فالابن صورة الله، يتعلق بوجوده. ووجوده صورة الله لتخيل الله. والصورة تحل محل الشيء ثم تأتي عبادة المقدس في صورة كعبادة الصورة كمقدس. فالصورة جوهر الدين. وقد اعترف القديس جرجوار النيسي أن تمثل قربان إسحاق (إسماعيل) جعله يذرف الدمع ويجعل هذا التاريخ المقدس حيا؛ فالابن كلمة الله هي صورة الكلمة
Verbe ، صورة مجردة خيالية تعني الكلمة والتعبير، فالحالم يتكلم، والمجنون يتكلم، والشاعر يتكلم، الكلمة تعني التخارج باللغة. الكلمة ثورة تعبير وإيصال. الكلمة تحرر للإنسان. والذي لا يستطيع أن يتخارج يكون عبدا. الكلمة فعل الحرية، الكلمة حرية. الكلمة حضارة. كلمة الله هي إلهية الكلمة. هكذا تجد العقيدة حقيقتها في الإنسان. (7)