الله كموجود قلبي:
ليس الله فقط مبدأ عقليا وقانونا خلقيا بل هو أيضا حب إلهي. فالحب وسيلة التصالح بين الإنسان والله أي بين الإنسان ونفسه. والتجسد هو الظهور الحسي الفعلي للطبيعة الإنسانية لله بفعل الحب. لم يظهر الله كإنسان لنفسه بل لحاجة الإنسان الملحة للحب.
كان الله إلها إنسانيا قبل أن يصبح إلها فعليا، وفعل ذلك بواقع من رحمته نظرا للحاجة الإنسانية وللشقاء الإنساني. التجسد دمعة ساخنة إلهية على وجه العالم، وجود مفعم بالعواطف الإنسانية بل وجود إنساني خالص. كان الإنسان إلها قبل أن يصبح الإله إنسانا وليس كما قال أوغسطين أصبح الله إنسانا حتى يصبح الإنسان إلها؛ فألوهية الإنسان سابقة على إنسانية الله لأن ألوهية الإنسان هي التي جعلت الله إنسانا. يقول اللاهوت: إن الشخص الثاني هو الذي تجسد. والحقيقة أنه الشخص الأول أي الله نفسه وليس الابن أو الروح القدس، ولكن ليس التجسد واقعة مادية تاريخية كما يدعي اللاهوت، فهذه هي المادية الفجة، بل حقيقة إنسانية خالصة، وهذا ما تضيفه الأنثروبولوجيا على الفلسفة التأملية. لا تعتبر الأنثروبولوجيا الصيرورة في الإنسان سرا خاصا مدهشا كما هو الحال في الفلسفة التأملية ذات المظهر الصوفي بل تقضي على السر فوق الطبيعي، وتنقد العقيدة، وتحللها إلى عناصرها الطبيعية المفطورة في الإنسان إلى داخله وبؤرته وهو الحب. (تعني العقيدة أن الله هو الحب، وأن الحب جعل الله يتخارج عن هويته؛ فالحب أقوى من الله. وكما قال القديس برنارد: إذا لم نضح بالله من أجل الحب فإننا نضحي بالحب من أجل الله. الله ليس محايدا، ليس بعيدا، فكل صلاة هي تجسد لله، والله ذو شفقة وعطف وحنان. الصلاة تقرب الله للشقاء الإنساني، فالله يحب الإنسان. له ابن والله أب. علاقة الله بالإنسان في التجسد علاقة الأب بالابن، علاقة حب وعطف وشفقة وليست تناقضا كما تدعي الفلسفة التأملية. الحب وحده هو قلب الإنسان. وإذا كان الله يحب الإنسان فالإنسان هو قلب الله. أليس حب الله للإنسان هو حب الإنسان لنفسه متموضعا ومحدسا كحقيقة مطلقة؟ ولقد أدرك لوثر من قبل أن المسيحية هي دين القلب، فمن يدرك في قلبه هذه الحقيقة أن الله أصبح إنسانا يجب عليه باسم الجسد والدم أن يحب في هذا العالم كل جسد ودم ولا يعادي أي إنسان حتى يكون له مكان في العالم الآخر على يمين الله. سر التجسد إذن هو الله كموجود قلبي.) (4)
سر الله المتألم:
من تحديدات الله الذي يصبح إنسانا أن المسيح هو الألم. الله يتألم من أجل الآخرين وليس في ذاته، وهذا يعني أن التألم من أجل الآخرين إلهي. ولما كان الله هو مجموع الكلمات الإنسانية والله المسيح هو مجموع الشقاء الإنساني فإن الكمال يغطي على الحب، ويتأكد الحب في الألم. الألم خلقي وإرادي كما هو معروف في آلام الحب، قوة التضحية من أجل خير الآخر.
إن تاريخ المسيحية هو تاريخ آلام الإنسانية في حين أن تاريخ الوثنية هو تاريخ الملذات الحسية. والمسيح على الصليب لا يمثل المخلص بقدر ما يمثل المصلوب المتألم؛ ومن ثم صلب الذات ألم في حين أن الصور الدينية في الوثنية كما لاحظ أوغسطين وعدد من آباء الكنيسة تدعو إلى الإباحية. وكما أن سقراط يفرغ الروح من الآلام ويعيش في بهجة الموت فإن المسيحي يصيح «لو كان بالإمكان إبعاد هذه الكأس عني.» كما صاح المسيح على الصليب. الله يتألم يعني أن الله قلب، فالقلب هو الألم، والموجود بلا ألم موجود بلا قلب. سر الله المتألم هو سر الحساسية، والله المتألم هو إله حساسية، إله حسي. الدين إذن هو انعكاس الوجود الإنساني في ذاته، فالله مرآة الإنسان. ولا يستطيع الإنسان أن يعتقد شيئا إلا إذا كان في وجوده الخاص. ففي الإنسان توجد وحدة الطبيعة والروح، وما يعتبره الإنسان روحا هو جزء من طبيعته. الذي يتألم هو الإنسان وليس المسيح. (5)