تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سر المبدأ الخالق للعالم في الله:

طالما أن الله يكشف عن ذاته ويتخارج ويعبر عن نفسه فإن الشخص الثاني يكون هو المبدأ الخالق للعالم في الله. فالعالم ليس هو الله، هو الآخر، ضد الله، ولكن ما يخرج من الله يظل فيه، ويظل الآخر على وعي بانفصاله عن الله، والله على وعي بتخارجه. التمايز الذاتي

Autodifferenciation

في الله هو أساس ما يختلف عنه. ولما كان الوعي بالذات أساس العالم نظرا لوحدة الذات والموضوع، فالله يفكر في العالم عندما يفكر في ذاته، على طريقة أرسطو والفلاسفة المسلمين. التفكير تولد، والتفكير في العالم خلقه. الله يفكر ويضع موضوع تفكيره. فالابن هو الله عندما يفكر في ذاته موضوعيا، صورة الله الأولى. وكما يخلق الفكر موضوعه تضع الأنا الآخر. الوعي بالعالم هو وعي بحدودي، فالإنسان هو الموضوع الأول للإنسان، والإنسان هو إله الإنسان، إذا وجد تحول إلى طبيعة وإذا وجد إنسان آخر فإنه يوجد بفعل الإنسان. يتدفأ الإنسان في شمس الإنسان، ولكن لما كان العامي لا يفهم إلا إذا تكلم بصوت مسموع لذلك كان هوبز على حق في استنباط الذهن من الآذان، فإن الابن هو حكمة الله وعلمه وذهنه أي كل شيء متعلق بالأشياء الروحية. الله والعالم لا يتمايزان إلا على نحو مجرد. (8)

سر التصوف أو سر الطبيعة في الله:

إن نظرية الطبيعة الأبدية في الله، هذه الخيالات الكونية اللاهوتية التي وضعها جاكوب بوهمه والتي أعاد شلنج صياغتها جديرة بالتحليل النقدي. الله روح خالص، وعي واضح بذاته، شخصية خلقية. وعلى الضد من ذلك الطبيعة مختلطة غامضة لا خلقية أو غير خلقية، ولكن من التناقض صدور غير الخالص من الخالص، والغموض من الوضوح؛ وبالتالي فإن النظرية مادية مغلفة بالتصوف. في هذه النظرية الثنائية في الله يكون الموضوع الحقيقي مرضيا

Pathologique

والموضوع المتخيل هو اللاهوت أي أن الباثولوجيا النفسية تحولت إلى ثيولوجيا. فتاريخ المرض الإنساني هو تاريخ المرض الإلهي، وكلاهما مجموعة من الأمراض النفسية والعقلية. وهي نفس الأفكار المختلطة التي تحدث عنها ليبنتز والمأخوذة من جاكوب بوهمه والتي حاول شلنج تحديثها فتعالى عليها. كان بوهمه متدينا ولكن الطبيعة كما وصفها العصر الحديث في مذهب اسبينوزا وفي المادية والتجريبية استولت على شلنج فحاول تفسير الطبيعة على نحو طبيعي . لقد أغنت الطبيعة العواطف الدينية، فالله غني كالأرض، وكل ما في الله في الأرض، وكل ما في الأرض في الله. لقد تصور شلنج العلاقة بينهما عكسية، وهي عند بوهمه طردية. (لقد أرادت نظرية الطبيعة في الله تأسيس التأليه من خلال المذهب الطبيعي، فكل ما يمجده الإنسان ويعظمه هو الله، وما يلومه ويحتقره لا يكون إلها. الدين حكم شعوري أو لا شعوري، والحكم يعبر عن موقف. الوجود الإلهي ما هو إلا ماهية الإنسان بعد أن تحولت بموت التجريد، روح الإنسان، روح الإنسان المنفصل. في الدين يتحرر الإنسان من حدود الحياة، يترك ما يقهره وما يخدمه وما يؤثر عليه أثرا سيئا. لا يشعر الإنسان بالسعادة إلا في الدين، بعبقريته يوم الأحد!) (وحيث تنتهي الطبيعة يبدأ الله لأن الله هو الحد النهائي للتجريد؛ ونتيجة لذلك فكل محاولة لتأسيس شخص الله بواسطة الطبيعة فإنها تتأسس على خلط فاسد وسيئ بين الدين والفلسفة عن لا وعي وعن غياب كلي للنقد. فيما يتعلق بنشأة الله الشخصي في شخص الله يحتفل الإنسان بغياب تحديداته الخاصة الخارجة على الطبيعة والمستقلة عنه، ولكن الذي تصور الله كجوهر مثل اسبينوزا سيرفض الله الشخصي أي الله الموضوعي، في مقابل الله الذاتي؛ لذلك كان جاكوبي على حق في اعتبار الله شخصيا، ولكن شلنج يدخل بدهاء وخبث الطبيعة في الله الشخصي الذي تكون ماهيته هي الشخصية المتحررة التي انفصلت وتم إنقاذها من حدود الطبيعة وبالتالي في التناقض. فإذا كان شلنج قد أراد تفادي الخلق بالتوحيد بين الله والطبيعة فإنه لم يسلم من التناقض والخلط، ونقصه التحليل النفسي والتمييز بين ما هو مرضي وما هو صحيح.) (9)

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٨٠