تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بحث فيورباخ عن العلم الحي وليس عن العلم الميت، وأراد حقيقة مكتوبة بدماء القلب على صفحات التاريخ وليس حقيقة مكتوبة بالمداد على ورق أجوف. الحقيقة هي الإنسان وليس العقل المجرد، وعلى هذا النحو يمكن القضاء على الاغتراب الذي هو تضحية بالعياني في سبيل المجرد، وقضاء على الإنسان في سبيل الآخر الذي تم خلقه وهما وخداعا. ليس العلم هو العلم الميت البارد كما هو الحال في علم العصر، بل هو العلم الحي الذي يختلط بلحم الإنسان وبدمه، ويبدو فيورباخ هنا كيركجارديا خالصا. العالم هو الذي يتناول مشاكل العصر ويغوص فيها، ويستقصي جذورها، وينتهي به الأمر إلى حبل المشنقة فيكون شهيد عصره وشاهدا عليه. ولا عجب ألا يستمع العصر إلى نداء «جوهر المسيحية» فيما يتعلق بالإيمان والمعجزة والعناية وفناء العالم وشهادة التاريخ، في حين أن معارك العصر مثل الصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية، والزواج المختلط لا تهم بقدر أهمية ماهية المسيحية التي تثبت أن الزواج الحقيقي هو تآلف الأرواح وأن النسل الحقيقي هو النسل السماوي. وهنا يبدو فيورباخ أفلاطونيا في الفرق بين الحب الإنساني البدني والحب الفلسفي الروحي ولكن على نحو هيجلي باعتبار أن الروح هي العياني والبدني هو المجرد. لقد حاول فيورباخ أن يترجم الصور الذهنية في الدين المسيحي ويعثر على حقائقها العيانية معتمدا على التحليل التجريبي والتاريخي والفلسفي للأسرار المسيحية. كما فسر العقائد وقواعد الإيمان القبلية على أنها موضوعات حسية تاريخية لا شأن لها بالتأملات الخيالية التي تستمد مادتها من ذاتها. وأقام نتائجه على الحس والرؤية ولم يستنبطها بالتأمل استنباط الموضوع من الفكر، واستقرأ الفكر من الموضوعات. فالموضوعات موجودة خارج الفكر. ويصر فيورباخ على أنه مثالي في ميدان الفلسفة العملية وحدها. فلا حدود للإنسانية. والفكرة لها دلالة سياسية واجتماعية وأخلاقية. ويسمي فيورباخ نفسه روحيا وضعيا، صاحب فلسفة إنسانية تجعل الوجود الإنساني هو الوجود الحقيقي، ويقيم فلسفة لا تأملية، فلسفة دون ماهية مسبقة مثل جوهر اسبينوزا أو ذات كانط وفشته، أو الهوية المطلقة عند شلنج أو الروح المطلق عند هيجل، فلسفة وجود واقعي، والإنسان هو أكثر الموجودات واقعية وموضوعية في علاقاته الحسية بالأشياء.

ويبرئ فيورباخ نفسه من كل الاتهامات التي وجهت ضده وفي مقدمتها الإلحاد بأنه لم يقل شيئا على الإطلاق (بل إن الدين هو الذي تحدث عن نفسه وأن فيورباخ قد سمح له بذلك فحسب. لم يبتدع فيورباخ شيئا بل كشف الدين عن ذاته، ورأى فيورباخ هذا الكشف. إنه الدين الذي يؤله الإنسان في حين ينكره اللاهوت. إنه الدين، وليس فيورباخ، الذي يقول بأن الله هو الإنسان الشخصي المنفصل عن الذات المتخارج في العالم، وأن الإنسان هو الله بعد أن دفع بالإنسان بذاته خارجا عنه مغتربا عن نفسه في آخر. إنه الدين وليس فيورباخ، الذي ينكر الله الذي ليس هو الإنسان، ثم يجعله موضوعا للفكر عندما يحيل الله إلى إنسان ثم يستعيد صفات الإنسان وينسبها إلى الله ثم يؤلهه ويعبده. لم يفعل فيورباخ أكثر من إذاعته للسر المسيحي والكشف عن زيف اللاهوتيين وخداعهم وتناقضاتهم). (وإذا كان كتاب «جوهر المسيحية» نافيا، لا متدينا، ملحدا؛ فلأن الإلحاد هو جوهر الدين لأن الدين في جوهره وليس في صورته. وصياغاته هو الإنسان في الوجود والإنسان في إنسانيته وألوهيته. وإن لم يقتنع أحد بذلك فعليه تفنيد حجج فيورباخ العقلية وبراهينه التاريخية وتحليلاته النفسية ولا تهم سفسطة القضاة أو رياء المرائين أو العبارات التأملية البراقة أو قواعد اللاهوتيين الضحلة.) صحيح أن الكتاب ناف، ولكنه ناف للجوهر اللاإنساني للدين وليس نافيا للجوهر الإنساني؛ لذلك شمل الكتاب جزءين؛ جزء مثبت، وجزء ناف، وتناول الموضوع نفسه على نحوين مختلفين؛ الأول يعرض للدين في جوهره، والثاني يعرض للدين في تناقضاته، الأول تطوير وكشف لمفهوم الدين، والثاني جدل وهدم للاهوت. الأول هادئ والثاني عنيف، وفي كليهما معركة. الأول يبين أن المعنى الحقيقي للثيولوجيا هي الأنثروبولوجيا وأنه لا يوجد فرق بين صفات الوجود الإلهي والوجود الإنساني، المحمولات تعبر عن جوهر الموضوع (ويمكن الاستشهاد في ذلك بالتحليلات الأولى لأرسطو أو بمقدمة فورفوريوس)، ولا فرق بين ذات الله ووجوده من ناحية وذات الإنسان ووجوده من ناحية أخرى؛ ومن ثم فلا فرق بين المحمولات الإلهية والمحمولات الإنسانية. يثبت الجزء الأول أن ابن الله هو الابن الحقيقي أي ابن الإنسان وأن الدين يخطئ بتصوره هذه البنوة في الله بالفعل. ويثبت الجزء الثاني أن ابن الله في الدين ليس ابنا طبيعيا؛ وبالتالي يكون معارضا للطبيعة وللعقل. يعطي الجزء الأول البرهان المباشر، ويعطي الثاني البرهان غير المباشر.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٧٢