تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

The Future of Illusion . ويسمي فيورباخ منهج الكتاب منهج الكيمياء التحليلية أي تحليل النصوص من أجل إثبات نتائج التحليل وتأسيسها على نحو موضوعي. فإذا صدمت النتائج مشاعر الناس فالمسئولية لا تقع على الباحث فيورباخ بل تقع على عاتق الموضوع ذاته، وكأن فيورباخ يريد تطبيق منهج تحليل المضمون على النصوص الدينية. والرجوع إلى النصوص الأصلية القديمة أفضل بكثير من الرجوع إلى المسيحية المعاصرة؛ فالنصوص القديمة هي الوحيدة الجديرة بالتأمل أما أقوال المعاصرين فسطحية حسية ينقصها الشجاعة، ويغلفها الجبن والنفاق. النصوص القديمة تكشف عن المسيحية وهي عذراء في حين أن أقوال المعاصرين فقدت طهارتها وعفتها. كانت المسيحية القديمة غنية بكنوزها السماوية، فقيرة بممتلكاتها الأرضية، في حين أن المسيحية المعاصرة فقيرة بممتلكاتها السماوية غنية بكنوزها الأرضية. ولا توجد شواهد مسيحية معاصرة إلا هذه الشواهد الفقيرة التي لم توجدها المسيحية ذاتها بل التي أنتجتها العصور. (يحاول فيورباخ إذن الكشف عن الاغتراب عن طريق تحليل النصوص القديمة وإثبات أن الثيولوجيا ما هي إلا أنثربولوجيا مقلوبة وأن ما يظنه اللاهوتي على أنه وصف لله هو في حقيقة الأمر وصف للإنسان؛ فاللاهوتي يصف نفسه ظانا أنه يصف الله. ويقوم بعملية خفية وهي تشخيص صفاته الخاصة ثم إخراجها وتثبيتها على آخر، شخص خاص هو الله.) (يحاول فيورباخ أخذ النصوص القديمة عن الله وإعادة تحليلها تحليلا نفسيا وجوديا ليكشف عن المضمون الإنساني لهذه النصوص. ويقوم بعملية تفسير جديد لها، وذلك بإعادة بناء الموقف الماضي على أساس من الموقف الحاضر؛ وبالتالي يكون فيورباخ سابقا على بولتمان وهيدجر وعلم التفسير الحديث في الكشف عن الواقعة الإنسانية الحية من خلال تحليل النصوص الدينية القديمة. الأنثربولوجيا هي سر الثيولوجيا، وتاريخ العقيدة أو تاريخ اللاهوت هو في حد ذاته نقد للعقيدة في اللاهوت. لقد كانت الثيولوجيا في تاريخها الطويل أنثروبولوجيا، وكان موضوعها وهو الله وصفا للواقعة الإنسانية؛ وبالتالي يكون هيجل على حق في مهمته التاريخية في الكشف عن الروح في التاريخ، ولكن ما حاوله القدماء على نحو بعدي - بناء العقيدة في التاريخ - يحاوله فيورباخ على نحو قبلي بإرجاع النصوص إلى الواقعة الإنسانية. الثيولوجيا إذن اغتراب للأنثروبولوجيا، وعالم اللاهوت مغترب عن عالم الإنسان، والتفكير في الله اغتراب عن التفكير في الإنسان.) (3)

الاغتراب ونفاق العصر:

وفي مقدمة الطبعة الثانية وبعد صدور الكتاب أول مرة، يدافع فيورباخ عن مشروعه الذي قضى به على اغتراب الإنسان، وفند الاتهامات الموجهة إليه وعلى رأسها الإلحاد. لقد أعاد فيورباخ اكتشاف الله كنشاط وفاعلية في العالم، وهو الهيجلي الشاب، وقضى على اغتراب الإنسان وقذفه بنفسه خارجها وتشخيصها في صورة آخر وتأليه إياه. كان من الطبيعي أن تسوء علاقة فيورباخ مع كل المغتربين عن العالم وعن الذات وعن الله، ولكنها في الوقت نفسه كانت علاقة طيبة وصحيحة مع الأصحاء في العالم ومع ذواتهم ومع الله. كان من الطبيعي أن يحدث التمايز بين الحق والباطل، بين الصدق والكذب، بين الصواب والخطأ، بين الصحيح والزائف حتى يمكن إنقاذ المسيحية مما وقعت فيه من خطأ ومما اكتنفها من إظلام وإرجاعها إلى الموقف الصحيح. ومع ذلك نظر إلى فيورباخ على أنه مجرم في حق المسيحية واعتبره اللاهوتيون قد قضى على الدين إلى الأبد، في حين أن فيورباخ قد نقد كل الفلسفات الشائعة في عصره والتي اعتمد عليها اللاهوتيون للدفاع عن الدين أي عن الموقف الزائف للإنسان؛ فقد هاجم الفلسفة التأملية التي ابتلعت الدين، وقضت على خصوصيته لحساب الفكر. كما هاجم الفلسفة الوضعية لإنقاذ الإنسان وعدم تحويله إلى صنم ووثن. وقد كانت الضربة الكبرى هي التي وجهها فيورباخ إلى نفاق العصر، ومزايداته على الإيمان على لسان مدعي العلم في مجتمع طيب، مجتمع الحياد واللامبالاة وغياب الحماس، مجتمع الأوهام والحقائق المزيفة والشائعات (هذا المجتمع الذي يعتبر كل من يقول الحقيقة فيه وقحا، سيئ التربية، عديم الأخلاق. أصبحت الحقيقة هي اللاأخلاقية، واللاأخلاقية هي النفاق الذي ينفي المسيحية ويدعي إثباتها. اللاأخلاقية هو النفي الحقيقي للمسيحية، النفي الذي يعبر عن نفسه كنفي، هو التلاعب التعسفي بالمسيحية والإلغاء الفعلي لقواعد الإيمان وترك البعض الآخر، وكما يقول لوثر: إن قلب كل قواعد الإيمان أفضل من قلب واحدة فقط، هو الإلحاد في الحرية وليس في الله، هو أنصاف الحلول القائمة على الغباء دون يقين ثابت للذات، هو التناقض الفج دون دقة في التحليل وصدق في النتائج، هو التفاهة لأنها تقف عند منتصف الطريق ولا تنتهي إلى جوهر الأشياء ودون وصول إلى النهاية. هو الكذب الذي يخفي الحقيقة وشرها في قلبها والتفكر فيها. وهكذا يصف فيورباخ حال العصر وعدم قدرته على مواجهة الحقائق في حين أن الاعتراف بالحق فضيلة، ولكن مشكلة العصر في أساسها مشكلة أخلاقية في نقص الشجاعة وسيادة النفاق).

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٧١