تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجزء الثاني عود إلى الأول، يبين الثاني الزيف بينما يكشف الأول الحقيقة. الأول عن الدين والثاني عن اللاهوت. ولا يعني اللاهوت هذا المعنى الضيق عند اللاهوتيين الحرفيين بل يشمل أيضا الفلسفة التأملية، وعلم اللاهوت. فالمهم هو الأصل لا الفرع، المبدأ وليس الأشخاص، والعصور والأماكن. لو كان «جوهر المسيحية» به الجزء الثاني فقط لكان نافيا ولكان الله عدما، والثالوث عدما، وكلام الله عدما، ولكنه أثبت أن الدين له أساس في الوجود الإنساني الحق. والحقيقة أن فيورباخ يرفع الأنثروبولوجيا إلى مستوى الثيولوجيا كما ترفع المسيحية الإنسان إلى مستوى الله. إن الدين هو الروح الإنساني ولكن الحلم لا يكون في السماء بل على الأرض. المهم هو قلب النظرة من الداخل إلى الخارج، وفتح على الدين، وتحويل موضوع التمثل إلى موضوع فعلي، ولكن العصر ما زال يفضل الصورة على الشيء، والنسخة على الأصل، والتمثل على الواقع، والظاهر على الوجود. والدين وهم، والحقيقة دنيوية، ولكن العصر لم يحفظ من الدين إلا الغباء. وتجد الكنيسة شرعيتها في هذا المظهر. وتجد الطقوس دلالتها لو تم تفسيرها على نحو أنثروبولوجي خالص. فالخمر والخبز ليسا إلا في التمثل والخيال، والدين والفلسفة التأملية يتعاملان مع الوهم والخيال ولا يتعاملان مع الواقع والحس. لقد طالب لوثر من قبل بالعودة إلى العالم، فالخبز يعني الطعام، والماء يعني الشراب، والعماد يعني الاستحمام. لا يهم الأصل الوثني لهذه الطقوس؛ شرب الدم وأكل لحم الضحايا، بل المهم دلالتها بالنسبة للإنسان. كما لا يهم بيان تناقضات معجزات المسيح بل المهم بيان دلالتها الإنسانية الخالصة. يريد فيورباخ العود إلى ماء الأيونيين عند طاليس، الماء البارد للعقل الطبيعي حيث تنشأ الأشياء؛ فالماء ليس فقط سبب النماء ودورة الحياة بل هو أيضا علاج للنفس والعين. الماء يساعدنا على اكتشاف الطبيعة وسبر غور الوعي الذاتي. الماء يطهر الإنسان من الخوف والأوهام الناشئة عما يأتي من فوق الطبيعة؛

وجعلنا من الماء كل شيء حي (الأنبياء: 30).

وتظهر مآسي العصر أيضا ليس في لاأخلاقيته وحدها بل في غياب الروح العلمية. أصبحت الحقيقة حدا للعلم وليست إطلاقا له من كل الحدود. وعندما يصل العلم إلى الحقيقة ويصبح حقيقة لا يكون علما بل يصبح موضوعا للبوليس. فالبوليس يمثل حدود الحقيقة والعلم، وكأن السلطة السياسية يهمها الإبقاء على الزيف حتى تأمن المعارضة. وبالرغم من أن فيورباخ بوجه عام أعطى تفسيرا لا سياسيا للدين وأعطاه تفسيرا أنثروبولوجيا خالصا طبقا للضرورة الخلقية والفلسفية، إلا أن السياسيين غضبوا عليه لأنهم يعتبرون الدين أسهل وسيلة لاستعباد الإنسان سياسيا ولا يودون زعزعته وفهمه الفهم الصحيح. كما غضب عليه من لا يعطون الدين أية أهمية سياسية، لأن إعادة تفكير الناس في الدين على نحو شرعي وبعد القضاء على الاغتراب الديني يجعلهم أكثر قدرة على الممارسة السياسية فيثورون ضد الحكام، ويدافعون عن حقوقهم. وغضب عليه أيضا أصدقاء التنوير والحرية في مبادئ الصناعة والسياسة وأعداؤها في ميدان الدين؛ لأن التنوير الديني يكشف عن مساوئ الليبرالية والنظام الرأسمالي. ويشير فيورباخ في ملاحظة أخيرة أيضا إلى صلة الدين بالسياسة. فالدين أساس النظم السياسية. ففي الوقت الذي يكون فيه الدين مقدسا نجد تقديس الزواج والملكية وقوانين الدولة. لم تكن الملكية مقدسة لأنها شريعة إلهية بل تم تقديسها أولا باعتبارها شريعة إلهية. لم يطور فيورباخ هذه العلاقة كما طورها ماركس بعد ذلك، وظل بروتستانتيا حرا يؤسس الدين على الأخلاق. (4)

الاغتراب في ماهية الإنسان وجوهر الدين:

يبدأ فيورباخ كتابه «جوهر المسيحية» بتمهيد عن ماهية الإنسان بوجه عام وجوهرية الدين بوجه عام، ويستعمل لكليهما كلمة

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٧٣