العلم الجديد إذن هو اللاهوت العقلي المدني للعناية الإلهية التي يؤمن بها الرواقيون عن طريق الصلة بين العلة والمعلول؛ إذ إنهم في نظام الأشياء الطبيعي يسمون اللاهوت الطبيعي ميتافيزيقا صفات الله وأفعاله في الطبيعة، والأبيقوريون عن طريق المنافسة العمياء بين اللذات. العلم الجديد إذن يأخذ موضوع العناية الإلهية في التاريخ حين تكشف عن نفسها في العادات والنظم الطبيعية. وهنا يلحق هردر بفيكو، فقانون تطور البشرية عند هردر هو أيضا العناية الإلهية وتحويلها من صفة لله إلى قانون للتقدم. ويحلل العلم الجديد الأفكار الإنسانية حول الحاجات الإنسانية ومنافع الحياة الاجتماعية وهما المصدران الدائمان للقانون الطبيعي للشعوب، فتاريخ الأفكار هو تاريخ الإنسانية نفسها. موضوع العلم الجديد إذن هو الحس المشترك للجنس البشري أو شعور البشرية جمعاء.
وتأتي براهين العلم من الفلسفة واللغة مثل اتفاق الأساطير والنظم الذي يدل على أنه اتفاق بالطبيعة وليس وليد المصادفة، اتفاق العبادات البطولية مع النظم، اتفاق المعاني الاشتقاقية للغات البدائية مع النظم. وفهم النظم من خلال الكلمات ومعانيها اللغوية الأصلية أو المجازية المتطورة. القاموس الذهني للنظم الإنسانية الاجتماعية هو القاموس نفسه الذي لدى كل الشعوب والذي يتم التعبير عنه بطرق مختلفة وطبقا للغة كل شعوب: التراث الشعبي المحفوظ الذي يصحح أخطاء المؤرخين، الشذرات القديمة التي يمكن بعد التأليف بينها أن تعطي المعنى والدلالة، معرفة آثار هذه النظم بالرجوع إلى عللها الأولى. هذه البراهين كلها تجعلنا قادرين على معرفة «عالم البشر» كما عرف بيكون «عالم الطبيعة» وبنفس المنهج الاستقرائي الذي يمكن تلخيصه في شعار «انظر وفكر».
| رابعا: الحكمة الشعرية
وتعبير «الحكمة الشعرية» هو أكثر التعبيرات استعمالا عند فيكو، وعنوان الكتاب الثاني وهو أطول الكتب في أقسام كتاب «العلم الجديد»؛ وبالتالي يكون الكتاب الأول عن «إقامة المبادئ» مجرد تمهيد له، ويكون الكتاب الثالث عن «اكتشاف هوميروس الحقيقي» تكملة له، والرابع والخامس عن مسار الشعوب في دورتها الأولى ثم الثانية عندما تنهض من جديد مجرد تطبيق للحكمة الشعرية مرة ثانية في دورات الحضارات المتتابعة؛ فقد بدأت البشرية بالشعر، فكان شعراؤها هم حكماؤها وعلماؤها ومشرعوها، لم يكن هوميروس والتراجيديون اليونان مجرد شعراء أو أدباء فقط بل كانوا أصحاب معرفة ودين وأخلاق وسلوك وإرشادات للحياة العملية، بل كانوا أيضا واضعي قوانين. فكل مدينة يونانية أسسها إما مشرع أو بطل. لم يخلق الشعراء العالم كما خلقه الله ولكنهم خلقوه بالخيال، واللفظ اليوناني
Poetikos
مشتق من فعل
Poiein
أي يفعل أو يخلق؛ فالشعر يمثل بدايات الفن والعلم والميتافيزيقا والمنطق والأخلاق والاقتصاد والطبيعة والكونيات والفلك والتواريخ والجغرافيا. يقول فيكو إنه في هذا الكتاب الثاني سيبين كيف استطاع مؤسسو الإنسانية الأولى بالاعتماد على اللاهوت الطبيعي (الميتافيزيقا) تخيل الآلهة، وبالنطق اختراع اللغات، وبالأخلاق حلق الأبطال، وبالاقتصاد إقامة الأسر، وبالسياسة المدن، وبالطبيعة بدايات الأشياء وكأنها إلهية، وبفيزيقا الإنسان خلقوا أنفسهم، وبالكونيات تصوروا لأنفسهم عالما مملوءا بالآلهة، وبالفلك نقلوا الكواكب والأفلاك من الأرض إلى السماء، وبالتواريخ أعطوا أوقاتا للبدايات، وبالجغرافيا استطاع اليونان وصف العالم كله ابتداء من اليونان. فكل مظاهر الحضارة من اختراع الإنسان، والبشرية خالقة لذاتها على ما يقول فيورباخ فيما بعد. وإن العلم ذاته الذي يزهو به الناس على أنه صورة للطبيعة هو أيضا من اختراع الإنسان، وإن بيكون كان نبي العلم في العصر الثاني للبشرية، ومشروعه الضخم «الإصلاح العظيم» لم ينشر منه إلا «تقدم العلم» و«الأورجانون الجديد»، أكبر إنجاز للقرن السابع عشر. وعلى منواله صاغ فيكو «العلم الجديد» في القرن الثامن عشر، ولكن الفرق أن بيكون أراد العلم الآن في صورته الكاملة وفيكو أراد وصف نشأته وتطوره واكتماله، فالعلم يبدأ حيث يبدأ موضوعه.