والحكمة موجودة لدى كل الشعوب في أساطيرها وقصصها؛ فكل قصص الشعوب لها بدايات أسطورية. وكان الشعر هو لغة التعبير عن هذه الحكمة. فأول الحكماء عند اليونان هم الشعراء اللاهوتيون. ثم بعد ذلك قدم اليونان أنفسهم من خلال الفلسفة، ولكن المصريين قدموا أنفسهم من خلال اللاهوت الطبيعي (الميتافيزيقا). وكل شيء يولد يكشف عن البدايات، والبدايات لدى الشعوب ولدى من من خلالهم تخلد الشعوب ذواتها أي الشعراء وهم الحكماء والعلماء.
ويشترك اليونان والمصريون في خمسة أشياء؛ احترام الدين فقد تأسست الشعوب الوثنية بأساطير حول الدين، اعتبار النظام المدني مستمدا من حكمة تفوق قدرة الإنسان، بحث الفلاسفة عن أشياء مدعاة للتأمل والتفلسف، إيجاد وسائل التعبير عن فلسفاتهم في الألفاظ والتعبيرات التي تركها الشعراء لهم، وأخيرا التأكيد على هذه التأملات في الحكمة والدين. وهذه الأشياء الخمسة تؤكد أهمية الحكمة الإلهية كما تؤكد أهمية التفلسف. ولما كانت الفلسفة تأملات في الشعر وكان الشعر تأملات في الدين كان الشعر هو القاسم المشترك بين الفلسفة والدين. كما يدل على أن البشرية بدأت بالدين ثم بالفلسفة، وهذا كله تشمله الحكمة، ولما كان العقل لا يتفلسف إلا بعد حصول شيء في الحس كما هو الحال عند أرسطو من القدماء وعند هوسرل أيضا والمدرسة الحسية من المحدثين، كانت الفلسفة تالية للشعر وللدين.
والحكمة أم العلوم. وهي ملكة يصدر عنها كل إبداعات البشر من علوم وفنون تصنع الإنسانية، فالإنسان ذهن وروح، عقل وإرادة، وكلاهما واجهتان للحكمة، وعن طريق العقل تسيطر الحكمة على الإرادة لصالح الإنسان. ولما كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا في نظم فإن الحكمة أيضا هي التي تنظم علاقة الإنسان بالله. وأفضل النظم ما كان حقا لخير الإنسانية، وهي النظم الدينية التي توجه النظم العلمانية عن طريق الحكمة. الحكمة بلغة هوميروس هي معرفة الخير والشر أو التنبؤ بالمستقبل؛ لذلك يعتبر الشعراء اللاهوتيون هم الذين أسسوا الحكمة القديمة؛ لذلك سموا «أساتذة الحكمة»، بعد ذلك أعطيت الحكمة للناس وشاعت بينهم فظهرت عند الحكماء السبعة ثم عند الفضلاء من الناس لإدارة فن الحكم. وفي كل الحالات يظل معنى الحكمة هو معرفة الأشياء الطبيعية الإلهية أي الميتافيزيقا، معرفة ذهن الإنسان في الله، فالله مصدر الحقيقة ومشرع الخير. الميتافيزيقا إذن علم يهدف إلى تحقيق صالح البشرية التي تقوم على الإيمان الشامل بالعناية الإلهية.
ولا يفرق فيكو في ذلك بين الدين الوثني ودين العبرانيين والمسيحيين على الرغم من وضعه للدينين على مستويين مختلفين. فإذا كانت ربات الفنون
Muses
هي التي أسست الدين الوثني فإن الله هو الذي أسس الدين الحقيقي للعبرانيين وللمسيحيين الذين يسمون الحكمة العلم بالأشياء الأبدية التي يوحيها الله. هناك إذن ثلاثة أنواع من اللاهوت؛ اللاهوت الشعري وهو الشعر المدني لدى الشعوب الوثنية، واللاهوت الطبيعي عند الميتافيزيقيين، ثم اللاهوت المسيحي وهو خليط بين الاثنين بالإضافة إلى اللاهوت الموحى به. وقد ظهرت العناية الإلهية في الأنواع الثلاثة كقاسم مشترك لقيادة البشرية وتوجيهها وكما هو الحال أيضا عند هردر ولسنج. وذلك لأن فيكو يقسم البشرية إلى نوعين؛ الوثنيون وهم العمالقة من جنس حام ويافث وسام الذين رفضوا دين نوح أبيهم المشترك وعاشوا على الطبيعة بعد الطوفان وانقسموا إلى نبلاء مستغلين وعبيد يفلحون الأرض، والعبرانيون الذين قبلوا دين نوح واحتفظوا بوضعهم الأول، وهو الوضع الإنساني الأخير الذي عادت إليه بعد ذلك سلالة العمالقة.
وبعد هذه المقدمة عن الحكمة الشعرية يقسمها فيكو إلى فرعين؛ الميتافيزيقا وهي الجذع الذي يخرج منه المنطق والأخلاق والاقتصاد والسياسة والتاريخ، والفيزيقا وهي التي تخرج منها الكونيات والفلك والتواريخ والجغرافيا، وأكبرها المنطق والسياسة والاقتصاد أي الحكمة الإنسانية. وهو يذكرنا بما قاله ديكارت من قبل عن شجرة المعرفة التي جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزيقا وفروعها الأخلاق والطب.