وينهي فيكو بديهياته حول الله والقانون والمساواة. فهناك أقوام كبيرة وأقوام صغيرة. ولكل منها إله. فالآلهة تصنع قدر الأقوام! أما القانون فإنه يكون بمثابة الحكمة لدى الشعوب المحدودة الأفكار التي لم تبلغ بعد شأوا من الحضارة والتطور. وينشأ اليقين في القانون من غموض الحكم وتأييد السلطة. أما الأذكياء فإنهم يأخذون المنفعة قانونا. أما حقيقة القانون فإنه نور يعين، وعظمة تأتي إليه من العقل الطبيعي. أما بالنسبة للمساواة، فالمساواة المدنية حكم محتمل لا يعرفه كل الناس. أما المساواة الطبيعية فإنها تعبير عن العقل الإنساني، ودرجة التطور نحو الكمال.
بعد هذه البديهيات التي يسميها فيكو «العناصر»، يتحدث عن «المبادئ» وهي الحقائق البديهية لدى كل الشعوب دون الاستعانة بالتراث المكتوب بل بناء على تنظير مباشر للواقع وسبر لأغوار الطبيعة البشرية. فالعالم الإنساني من صنع الإنسان؛ وبالتالي توجد مبادئه في الذهن الإنساني. فالواقع والذهن شيء واحد، وكأن فيكو هنا يرصد مسبقا «فينومينولوجيا الروح» عند هيجل.
هناك ثلاثة مبادئ هي في الوقت نفسه، عادات للشعوب ونظم لها؛ الأول: أن كل شعب له دين، ولا يوجد شعب يجهل الدين على خلاف ما يرويه بيل وبعض الرحالة من أنهم رأوا شعوبا بلا دين، يجهلون الله، فهؤلاء الرحالة لا يبغون العلم بل يريدون تسويق مؤلفاتهم فحسب. العبرانيون، والمسيحيون، والوثنيون والمسلمون (المحمديون) كل هؤلاء لهم دين ، وقد آمنت كل الشعوب بإله مجسد أو غير مجسد يعتني بالعالم ويرعاه، وهذا ما أكده الفلاسفة جميعا على اختلاف مذاهبهم؛ والثاني: أن كل الشعوب لديها احتفالات بالزواج؛ فالعلاقات الجنسية الحرة دون رباط رسمي علاقات شريرة، ينتج عنها أطفال بلا أسر، يتركون في الخارج. وظيفة الأسرة إذن رعاية الأطفال الشرعيين وإعطاؤهم التعليم والدين واللغة؛ والثالث: أن كل الشعوب تدفن الموتى؛ فلا يوجد شعب يترك موتاه بلا قبور. فنحن جميعا زملاء في البشرية. وعندما نناقش خلود الروح فنحن نشارك في نفس الإنسانية. وقد ذكرت كل الديانات هذا المبدأ وعرفته الحضارات، وكتبت حوله القصص والمسرحيات (أنتيجون).
5
وأخيرا يتحدث فيكو عن منهج «العلم الجديد» ويحدده على أنه منهج الاستقراء الذي يبدأ من الطبيعة إلى الفكر. فالمنهج يبدأ حيث يبدأ الموضوع؛ وبالتالي يكون الموضوع هو منهج ذاته. ويكون تطور الموضوع ضمن خطوات المنهج. وهنا يلحق فيكو أيضا بهيجل في توحيده بين الموضوع والمنهج بين الواقع والجدل؛ لذلك يجب البدء باللغويين والفلاسفة والكتاب والأدباء والشعراء والمشرعين وكل من حاولت الإنسانية تدوين نفسها من خلالهم. ويعطي فيكو نموذجا من هذا المنهج التجريبي بنشأة فكرة الله أو الدين الموجودة لدى كل الشعوب المتحضرة والبدائية. فعندما يعيش الإنسان لحظات اليأس من كل عون للطبيعة، ويرغب في شيء أعلى منها لمساعدته يكون هو الله. وإذا ما وصل المنحلون إلى سن متقدمة في العمر يكتشفون الدين. وهذا ما يثبته البدائيون الذين يعيشون حياة الانفعال. أما الميتافيزيقا الشعبية ولاهوت الشعراء فإنه أيضا ينتهي إلى النتيجة نفسها؛ إذ يعيش البشر، نظرا لطبيعتهم الفاسدة، تحت سيطرة حب الذات ويسيرون وراء منفعتهم الخاصة؛ وبالتالي يعجزون عن السيطرة على انفعالاتهم. وبعد الزواج كان لزاما على الإنسان أن يوفق بين منفعته ومنفعة أبنائه. وبعد الحياة الاجتماعية كان لزاما عليه أيضا أن يوفق بين مصلحته ومصلحة الآخرين، وبين مصالح الآخرين ومصالح الشعب ككل، ثم بين مصالح الشعب ومصالح الجنس البشري. ولما كان الإنسان لا يبغي إلا صالحه الخاص كان لا بد من العناية الإلهية كي تضعه دخل نظم تعلمه العدالة وتحدد دوره كعضو في الأسرة وفي المجتمع وفي المدنية والإنسانية. ولما كان غير قادر على الالتزام بهذه النظم فإنه يسمي العادل منها ما يحقق منفعته الخاصة، وما ينظمها يسميه العدالة الإلهية، وما يحكمها يسميه العناية الإلهية. وهنا يبدو فيكو متفقا مع هوبز في أن الدين ضروري لصالح البشر. وأن كليهما ينظر إلى العقيدة المسيحية، على أنها عقيدة الخلاص من الخطيئة عن طريق المسيح.