تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويبدأ فيكو ببيان نشأة النظم الملكية. لما بدأت كل الشعوب حياتها الطبيعية بعبادة إله ما في الدول العشائرية كان الآباء هم الحكماء تحت وصاية الآلهة. وقد حاول الكهنة تفسير هذه الوصاية لصالحهم ولكن نجح الملوك أخيرا في تحويلها إلى قوانين لعشائرهم. فالملوك هم أول من حكموا العالم، فقد كانوا أجدر الناس من حيث الطبيعة. وكانوا هم الحكماء، يجمعون بين الحكمة والملك والكهانة. الملكية إذن أول نظام للحكم عرفته البشرية. وفي الدول العشائرية مارس الآباء سلطة الملوك خاضعين لله، لهم السلطة على أولادهم وممتلكاتهم وما ملكت أيمانهم؛ فهم البطاركة والآباء والأمراء والرؤساء. وقد حصلت العشائر على أسمائها من الآباء في الحالة الطبيعية. كان الملوك رؤساء الدين والدولة. وكانوا يقومون بتطبيق القوانين داخل البلاد ويشنون الحروب خارجها.

أما النظام الإقطاعي فقد نشأ ابتداء من أن البعض قد اعتزل العالم الهمجي غير القانوني وكون أسرا. عاش البعض منها في حقول ثم عاش فيها الأبناء من بعدهم. لا يمكن إذن فهم نشأة التجمعات البشرية الأولى قبل هؤلاء القارين الذين أرادوا إنقاذ حياتهم بحماية الآباء لهم، وزراعة أراضيهم. تبدأ هذه التجمعات بالنظام الإقطاعي نظرا لما يعود على الناس من الفائدة منه. فظهر القانون الخاص بالحقول وهو أول قانون زراعي في العالم. وفي كل الأمم القديمة التي يوجد فيها عملاء وزبائن يظهر فيها أيضا النظام الإقطاعي. ويظل الإقطاعي صاحب القوة والسيطرة لأن من علامات القوي ألا يفقد بالجبن ما حصل عليه بالشجاعة. ولم تكن هناك قوانين لمعاقبة الإهانات الخاصة أو لتصحيح الأخطاء الشخصية.

أما النظام الأرستقراطي فإنه يقوم على أكتاف النبلاء الذين يقسمون بأن يكونوا أعداء أبديين للعامة. ويقوم النظام على الثروة وتركيزها في طبقة النبلاء لأن الثروة تزيد من قوة الطبقة. وتكون النظم الأرستقراطية على حذر دائم من الدخول في حرب خشية أن تتحول العامة إلى محاربين. والحرب في هذه النظم تؤدي إلى البطولة، كما تؤدي في السلم إلى التمسك بالشرف والتنافس عليه ثم يكون الشرف بالتالي باعثا على الشجاعة في السلم والحرب. ثم تنشأ المعارضة شيئا فشيئا في المدن من أجل مساواة الطبقات العامية مع طبقة النبلاء في الحقوق، وتطالب بالقوانين التي لا يريدها النبلاء، وتطمح العامة من أجل أن تحصل على نتاج كسبها، ولكن طبقة النبلاء توقف القوانين حتى لا يتساوى الضعفاء والأقوياء.

وأخيرا تنشأ النظم الشعبية تعبيرا عن رغبات العامة، ولكنها تقود صراعا من أجل السلطة بالسلاح في وقت السلم، وتصدر القوانين باسم السلطة وليس باسم القانون. ومع ذلك تثبت الحرية الطبيعية ضد النظم الملكية والإقطاعية والأرستقراطية، وتمحي مظاهر العبودية الاجتماعية التي تجعل الإنسان ضمن المقتنيات، ولكن هذه النظم الشعبية ذاتها تحف بها المخاطر. فبعد أن يحاول الناس التحرر من العبودية والحصول على أكبر قدر ممكن من المساواة، تحاول العامة تجاوز المتساوين معها فتتحول النظم الشعبية إلى نظم قوية تقوم على السيطرة. ثم تضع العامة نفسها فوق القوانين التي لا تراعيها فتتحول نظم الحكم إلى فوضويات لا يوجد فيها طاغية واحد لأنهم كلهم طغاة. وأخيرا تحاول العامة أن تجد خلاصها من جديد في عودة النظم الملكية. فبعد أن تضطر العامة لقبول سلطة النبلاء، وبعد أن يضطر النبلاء لقبول سلطة العامة، يضطر الجميع لقبول سلطة الملوك؛ ومن ثم ينتهي جدل السيد والعبد على ما يقول هيجل لصالح الملك. ولا يستمر في دورة أبدية.

ثم يعطي فيكو بعد ذلك عدة مبادئ عامة عن حياة العمران. فبعد الفيضان عاشت الأسر أولا في الكهوف ثم على سفوح الجبال ثم انتقلت إلى السهول ثم إلى شواطئ البحار، كما تنشأ المدن أولا داخل البلاد ثم بعد ذلك تنشأ المدن الساحلية. وقد كانت مدينة صور أولا في الداخل ثم حولها الفينيقيون إلى مدينة ساحلية، فقد كان الفينيقيون أول بحارة في العالم، فالمدن الداخلية أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها من المدن الساحلية. وقد بنى اليونان عدة مدن يونانية على ساحل أيونيا تم تدميرها بسهولة بعد ذلك. ونظرا لضرورات الحياة يترك الناس أرضهم طمعا في مزيد من الثروة عن طريق التجارة أو لحمل ثرواتهم معهم حرصا عليها من الضياع ومخاطر الاستقرار، والشعوب الأولى لا يمكن النفاذ إليها إلا من الخارج عن طريق الحرب ومن الداخل عن طريق فتح حدودها للتجارة مع الغرباء.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٥٧