وكل أمة تريد أن تجعل نفسها خالقة ومبدعة لمقومات الحياة، كما تريد إرجاع تاريخها إلى أقدم العصور؛ فكل شعب يدعي أنه أصل الإنسانية؛ المصريون، والكلدانيون، والصينيون، والسكيثيون. وهنا يبين فيكو أن الرغبة في البحث عن الجذور، والعودة إلى الأصول، والبداية بالنشأة شيء طبيعي فطري في الأفراد وفي الشعوب.
ومن الضروري توجيه الفلسفة للأفراد وللشعوب وعدم تركهم في فسادهم وإرشادهم إلى الأخلاق السليمة؛ فالفلسفة تصف الإنسان كما ينبغي أن يكون في مقابل التشريع الذي يصف الإنسان كما هو كائن. هذا الواجب ضروري من أجل أن يكون الإنسان ذا نفع في الحياة الاجتماعية. فالإنسان الكائن يسلك بدوافع التوحش والبخل والطموح، وهي الرذائل الثلاث في الجنس البشري التي بسببها تنشأ الطبقة العسكرية التجارية الحاكمة التي تجمع بين القوة والثروة في شكل نظام سياسي، ولكن الفلسفة تبدأ من هذه الرذائل ذاتها لتوجه الجنس البشري، وتجعل سعادة الإنسان المدني ممكنة. فالأشياء لا تخرج عن حالتها الطبيعية ولكنها تنحو نحو الكمال بطبيعتها، وهنا يبدو فيكو أرسطيا تماما في تصوره للطبيعة والكمال.
ثم يعرض فيكو لعدة بديهيات تتعلق بالمعرفة الإنسانية؛ فالمعرفة تؤدي إلى اليقين في حالة غياب العلم الحقيقي، ومن ليس له علم يتمسك باليقين. تعتمد المعرفة على اللغة والتاريخ في حين يقوم العلم على التأمل والفلسفة. واللغة مرتبطة بالاختيار الإنساني عندما يتعلق موضوع الاختيار بالوعي اليقيني. أما الفلسفة والتأمل فهما مرتبطان بالعقل في حالة العلم الحقيقي. ومع ذلك فإن الاختيار الإنساني غير يقيني لأنه يقوم على المعرفة وليس على العلم، ولا يتحول إلى يقين إلا بالحس المشترك
Common Sense
وإدراك منافع الناس وحاجاتهم. وهما المصدران للقانون الطبيعي للشعوب. والحس المشترك حكم بلا تفكير يشارك فيه طبقة أو شعب أو أمة أو الجنس البشري كله. والأفكار المطردة التي تنشأ لدى جميع الأمم المستقلة عن بعضها البعض يكون لها أساس من الحقيقة، فاطراد الأفكار مقياس لصدقها.
وتنشأ النظم الاجتماعية في زمان معين وبشكل معين، وتأخذ خصائصها من أشكالها، وتتغير هذه الأشكال الأولى التي نشأت فيها. فلا توجد عند فيكو خصائص جوهرية كماهيات مستقلة بل توجد علاقات اجتماعية في التاريخ في الزمان والمكان.
والتراث الشعبي له قدر من الحقيقة نظرا لوجوده واستمراره وحفظه وتواتره عبر الأجيال، فهو المعبر عن طبيعة الشعوب. واللغات الشعبية أقدر على حفظ عادات الشعوب من وسائل التعبير الأخرى كالحركات والأصوات؛ وبالتالي تنشأ أهمية الفنون اللغوية وعلى رأسها الشعر. ومن خلال نشأة اللغة يمكن معرفة نشأة العالم ومعرفة داياته، فاللغة مرتبطة بالموجود أو هي «بيت الوجود» على ما يقول هيدجر. كما أن أشعار هوميروس روايات مدنية تحتوي على عادات اليونان القديمة وتقاليدهم ونظمهم وحضارتهم، وكنز عظيم يحتوي على القانون الطبيعي لشعب اليونان. كما أن قانون «الألواح الاثني عشر» شاهد على القانون الطبيعي عند الرومان، هناك إذن لغة طبيعية مشتركة بين الشعوب يتم تهذيبها فيما بعد كما فعل فلاسفة اليونان وكما فعلت فرنسا فيما بعد في أواسط أوروبا. هناك لغة ذهنية مشتركة من خلال الطبيعة المشتركة للأمم تعبر عن ماهية الحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية. والدليل على ذلك وجود الحكم والأمثال العامية المترادفة لدى كل الشعوب.
والتاريخ المقدس، وهو مادة «العلم الجديد»، أقدم أنواع التاريخ؛ فهو أقدم من التاريخي الدنيوي وأطول مدة؛ فقد عاشت الإنسانية حوالي ثمانمائة عام في عصر الآباء، عصر العشائر الكبيرة التي منها نشأت المدن. وفي التاريخ المقدس يميز فيكو بين دين العبرانيين ودين الوثنيين. الأول أسسه الله والثاني أسسته الطبيعة؛ فالله هو المؤسس الحق لدين العبرانيين. ويقوم هذا الدين على تحريم العرافة التي مارستها كل الشعوب الوثنية في دياناتها. بل إن الناس نوعان؛ عبرانيون ووثنيون، عاديون وعمالقة. والعمالقة مخلوقات ضخمة رآها الرحالة وشوه الفلاسفة صورتهم نظرا لطبيعتهم الحيوانية. ويبدو أن فيكو أحيانا يبعد عن البديهيات إلى افتراضات مسبقة أو احترازات نظرا لظروف العصر مثل هذه القسمة الأخيرة التي لا يقبلها علم تاريخ الأديان. ويبدأ التاريخ، ومنه تاريخ اليونان الذي منه نعرف معلوماتنا عن باقي الشعوب، بالفيضان والعمالقة، وقد كان الفيضان شاملا على ما ترويه الأساطير وما تقصه عن أحوال الطبيعة.