ويذكر فيكو المراحل الثلاث لتطور الشعوب وكأنها قانون بديهي ضمن أوليات العقل. وهو في الوقت نفسه يذكر أن هذه المراحل الثلاث قد ذكرها المصريون في تصورهم للإنسانية وتطورها قبلهم. وهذه المراحل الثلاث تمثل عصورا ثلاثة لتاريخ كل شعب؛ عصر الآلهة، وعصر الأبطال، وعصر البشر. ولكل عصر لغته، اللغة الهيروغليفية مثل لغة المصريين لعصر الآلهة، واللغة الرمزية مثل لغة هوميروس لعصر الأبطال، واللغة الشعبية العامية لغة الخطاب والرسائل التي تقوم على العلاقات والحروف الأبجدية لإيصال الحاجات المشتركة والتعبير عنها في الحياة اليومية، هذه اللغة لعصر البشر ومن ثم يكون السؤال: هل هذه المراحل بديهية أم حقيقية تاريخية من اكتشاف المصريين أم أنها استقراء تاريخي لتطور الشعوب؟
ثم يذكر فيكو عدة بديهيات عن المرحلة الأولى مؤداها أن الدين طبيعي في البشر. وأن لكل شعب آلهته، وأنه ينشأ من الخوف أو الجهل أو الخرافة أو الدهشة؛ وبالتالي فإنه من اختراع الإنسان؛ فالإنسان حيوان متدين كما سيقول فيورباخ فيما بعد. فهناك حوالي ثلاثون ألف اسم للآلهة، وكلها مرتبطة بالحاجات الطبيعية والأخلاقية للإنسان، وتعبر عن رغباته وأهوائه وعواطفه في العصور الأولى؛ لذلك بدأت الشعوب الأولى حياتها بالدين أول مبادئ العلم الثلاثة، وأول النظم الاجتماعية قبل الزواج ودفن الموتى. وعندما يبلغ شعب ما درجة عالية من التوحش واستعمال السلاح بحيث لا يكون للقانون في حياته أي مكان فإن أقوى وسيلة لإخضاعه يكون الدين. وعندما يجهل الإنسان الأسباب الطبيعية التي عنها تصدر الأشياء ويعجز عن فهمها بالقياس إلى أشياء أخرى فإنهم يسقطون عليها طبيعتهم الخاصة، ويقول العامي حينئذ: «المغنطيس يحب الحديد». فتصور الجاهل للطبيعة نوع من الميتافيزيقا الشعبية يرجع فيها علل الأشياء إلى إرادة خارجة عليها، هي إرادة الله، دون اعتبار للوسائل التي تستعملها الإرادة الإلهية ذاتها لتحقيق الأفعال وإحداث الأثر في الأشياء. وعندما تخاف العقول فإنها تكون مؤهلة للخرافة. وعندما يقع الناس فريسة للخرافة فإنهم يخشونها، ويرجعون إليها كل ما يتخيلونه ويرونه ويصفونه. والدهشة تنشأ أيضا من الجهل، وكلما عظم موضوع الدهشة دل ذلك على شدة الجهل وأدى إلى زيادة التعجب. كما ينشأ حب الاستطلاع، هذه الصفة الفطرية في الإنسان، من الجهل. وفي الوقت نفسه يكون الدافع على المعرفة ونشأتها عندما توقظ الدهشة العقول وتعطي عادة التساؤل عن معاني الظواهر غير العادية في الطبيعة.
وفي هذه الحالة يكون الخيال أقوى من الاستدلال. وتبرز أهمية الشعر. فهو الذي يعطي الأشياء الميتة معانيها مستمدا إياها من عواطف البشر وانفعالاتهم، ويكون الشعراء كالأطفال الذين يتحدثون مع لعبهم وكأنهم يتحدثون مع أشخاص أحياء. وهذا يثبت أن الناس بطبيعتهم شعراء في مرحلة الطفولة. وأن الإنسانية تتحدث بالشعر وهي في البداية في طفولتها الأولى، وهنا يختلط الدين بالشعر، والآلهة بالأبطال. فيسمى الرجال الغلاظ الشداد آلهة إما لأعمالهم البطولية الرائعة أو إعجابا بالقوة الحالية التي يتمتعون بها أو بالنسبة للمنافع التي أعطوها للإنسانية. وهو المعنى المجازي الذي استعمله العبرانيون كما لاحظ اسبينوزا من قبل.
4
وهنا تنشأ الأساطير التي يجتمع فيها الدين بالشعر مثل أسطورة الخلق لدى كل أمة، وأسطورة الفيضان. فكل أمة لديها يهوا أو إله. وكل شعب لديه هرقل ابن يوفا. وقد كان أول حكماء اليونان هم الشعراء الدينيون (اللاهوتيون) الذين ازدهروا قبل الشعراء البطوليين. تفسر الأساطير بدايات الأشياء ونشأة الكون عند كل الشعوب، ويعزو المصريون إلى هرمس المثلث العظمة كل الاكتشافات المفيدة والضرورية للحياة الإنسانية. وكان أول لاهوت للمصريين تاريخا مطعما بالأساطير خجلت منها الأجيال بعدها فأولتها تأويلا صوفيا باطنيا، وهو أيضا ما يحدث لدى جميع الشعوب الأولى. كان المصريون أول المؤلفين من الشرقيين، تلاهم اليونان والرومان. وفي الدورة الثانية كان الشعراء هم أول الكتاب في اللغات الأوروبية الحديثة، والشعر البطولي أقدم أنواع الشعر، والشعر ذو المقطعين أبطؤها، والشعر اليامبي