تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Jus

والفقه

Lex ؛ فالأول نظام طبيعي عقلي، والثاني وضعي من صنع البشر. الأول دائم ثابت لا يتغير، والثاني يتغير طبقا للظروف والأحوال. الأول يشمل العادة الثابتة والثاني يعبر عن إرادة المشرعين فحسب.

أما تعبير «مبادئ الإنسانية» في الطبعة الأولى فهو مرادف للطبيعة المشتركة بين الأمم؛ فالإنسانية تعني المدينة أو المدنية أي المعنى التكويني، المبادئ التي بها تصبح الإنسانية كذلك والتي تخلقها الإنسانية من طبيعتها. ولا يعني ذلك وجود ماهية إنسانية مستقلة فردية أو اجتماعية فإن هذه الماهية عند فيكو تنشأ من مجموع العلاقات الاجتماعية وتطور النظم الاجتماعية كما يقول الماركسيون والوجوديون، ولكن هذه «الإنسانية» تقوى كلما تقدمت في مراحل تطورها.

ويقسم فيكو كتابه إلى خمسة كتب غير متساوية في الكم، أطولها الكتاب الثاني عن «الحكمة الشعرية»، وأقصرها الكتاب الخامس عن «تطور النظم الإنسانية عندما تنهض الشعوب من جديد».

6

ويختلط قانون تطور الشعوب في مراحلها الثلاث بحضارات الشعوب، فبينما يظهر هذا القانون بصراحة ووضوح في المقدمة «فكرة الكتاب» إلا أنه يعود ويختفي ولا يظهر إلا في الكتابين الرابع والخامس عن تطور الشعوب في دورتها الأولى وعن تطورها في نهضتها الثانية، ولكن فيكو لا يعرض لهذا القانون عرضا مفصلا في أي من الكتب أو أقسامها بل يذكره دائما دون أن يخصص له قسما مستقلا يعرضه فيه ويستوفيه ولكن على الباحث أن يجمعه من الشتات، كما يضم الكتاب الأول المبادئ العامة للعلم في صورة بديهيات أو أوليات عقلية واضحة بذاتها تحدد بناء العلم الجديد. أما الكتابان الثاني والثالث فإنهما يعطيان الحكمة الشعرية. ويعرض لسؤال الوجود الحقيقي التاريخي لهوميروس شاعر اليونان مبينا أن تاريخ الشعوب في حكمتها، وأن حكمتها في شعرها. أما الخاتمة فإن فيكو يعرض فيها لعقيدة العناية الإلهية كراعية لنظم الحكم وكأنه يريد ختاما تقليديا لمضمون كتاب غير تقليدي.

| ثالثا: المبادئ العامة لفلسفة التاريخ

يبدأ فيكو في الكتاب الأول بعنوان «وضع المبادئ» بإرساء القواعد العامة لفلسفة التاريخ.

1

فيعرض أولا للمادة العلمية التي يحللها في جداول زمنية تخطئ وتصيب. وقد تم اختصاره نظرا لأنه مجرد عرض لأساطير الشعوب الوثنية الأولى، ولكن تبدو أهمية هذه المبادئ في الجزء الثاني عن «العناصر» والذي يعرض فيه فيكو على طريقة إقليدس لمائة وأربع عشرة مصادرة أو بديهية يقوم عليها العلم. ثم يحدد فيكو ثالثا «المبادئ الثلاثة التي يقيم عليها العلم» وهي الظواهر الاجتماعية الموجودة في كل مجتمع ولدى كل شعب. وأخيرا يتحدث فيكو عن المنهج الاستقرائي المتبع في إقامة فلسفة التاريخ أسوة بتأسيس علم الطبيعة على نفس المنهج لدى بيكون.

ويعطي فيكو أولا جدولا زمانيا لشعوب سبعة. ويقسم تاريخها طبقا لمراحل التاريخ الثلاث؛ فهذه الشعوب هي العبرانيون، والكلدانيون، والسكيثيون

Scythions ، والفينيقيون، والمصريون، واليونان، والرومان ابتداء من الطوفان حتى الحروب الثانية بين روما وقرطاجنة، ويسرد تاريخ الرومان وقوانينهم ونظمهم، ويشرح أهم القوانين مثل القانون الجمهوري الذي تغير به النظام الروماني من الأرستقراطية إلى الشعبية وقانون العبودية من أجل الوفاء بالدين وإلغائه.

2

ولكن تبدو أهمية هذه المبادئ العامة عندما يتحدث فيكو ثانيا عن «العناصر» والتي يعرض فيها للمصادرات والأوليات والبديهيات التي تقوم عليها فلسفة التاريخ. وبالرغم من تفصيلها في مائة وأربع عشرة مصادرة إلا أنه يمكن إجمالها في عدة أفكار رئيسية واضحة بذاتها.

3

فالإنسان مقياس كل شيء في حالة جهله بالأشياء. فإذا عرف شيئا فإنه من طبيعة الأمور قياس الغائب على الشاهد كما يقول المناطقة القدماء. وهنا يحدد فيكو المنظور الإنساني لفلسفة التاريخ، وأن ليس للإنسان إلا رؤيته وتصوره وعلمه.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٥٣