تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

canon ، وآلة الإيمان

organon

الأول هو الإيمان الديني الخالص القائم على العقل دون قواعد، والثاني هو الإيمان الكنسي الذي يقوم على القواعد، ويتطلب الوحي. يقول اللاهوتي الكتابي: ابحثوا في الكتاب تجدوا سعادتكم، وكأن سعادة الإنسان تكمن في نص مكتوب. إن المبادئ والتصورات لا تؤخذ من كتاب حسي تاريخي، قد يتفق مع الإيمان الديني، وقد يختلف. وتصر كلية اللاهوت الكتابي على الكتاب، وكأن الإيمان بهذه الأشياء جزء من الدين. وهنا تأتى كلية الفلسفة وتدخل في الصراع من أجل إيضاح هذا الخلط. وما يقال عن منهج التفسير يقال أيضا عن تعاليم الحواريين المرتبطة بعصر وزمان معينين، سواء سلبيا عن طريق التسليم ببعض الآراء الخاطئة في عصرها لكيلا تصطدم بعقائد الناس الشائعة مثل التسليم بوجود الأرواح الشريرة؛ أم إيجابيا مثل إيثار شعب معين، والانتقال من الإيمان القديم إلى الإيمان الجديد. خلاصة الأمر: إن علم التفسير هو أحد موضوعات الصراع بين كلية اللاهوت وكلية الفلسفة. تتهم الأولى الثانية باستبعاد العقائد الموحى بها أو تأويلها، بحيث تتفق مع العقل، وتتهم الثانية الأولى بإهمال الدين الباطني الخلقي الذي يقوم على العقل. إن كلية الفلسفة تهدف إلى الحقيقة؛ وبالتالي تضطر إلى تأويل النصوص. ولا يعني ذلك أن التفسير يكون فلسفيا فقط، بل تكون مبادئ التفسير فقط هي كذلك؛ لأن مناهج التفسير التاريخية أو اللغوية في كل الأحوال تعتمد على مبادئ يمليها العقل.

ويطرح كانط أربعة مبادئ فلسفية لتفسير الكتاب، من أجل حل الصراع بين كلية اللاهوت وكلية الفلسفة في موضوع التفسير، وهي: (1)

إن آيات الكتاب التي تحتوي على بعض العقائد النظرية والمسلم بها على أنها مقدسة، ولكنها تتجاوز حدود العقل، يمكن تفسيرها بالعقل. أما تلك التي تتضمن قضايا ضد العقل العملي، فإنه يجب تأويلها، وهو ما قاله علماء أصول الفقه من قبل، وهو أن الخبر المتواتر يعطي اليقين، نظرا وعملا، في حين أن خبر الواحد يكون ظنيا في النظر، ولكن يقينيا في العمل. ويضرب كانط على هذا المبدأ مثلين؛ الأول: عقيدة التثليث؛ فهي من الناحية الحرفية لا شأن لها بالحياة العملية، على عكس أوغسطين الذي يرى أن التثليث كائن في كل خلجة من خلجات النفس الإنسانية، وفي كل مظهر من مظاهر الطبيعة. فالتثليث النظري لا يهم عند كانط، إنما المهم هو آثاره في الأخلاق العملية. وكذلك عقيدة التجسد التي تجمع بين الله والإنسان وتضعهما معا في التاريخ؛ إذ ليس من أثر لهذه الحقيقة في الحياة العملية. فسواء أكانت المادة روحا أم كانت الروح مادة، فلا أثر لذلك في الحياة العملية، على عكس ما قاله أوغسطين في آثار ذلك على الأخلاق والعيش روحيا في العالم المادي أو ماديا في العالم الروحي. ويهاجم كانط ما قاله الحواري بولس من أنه إذا لم يبعث المسيح فإن بعثنا يكون على غير أساس لأنه أقام حقيقة عملية خلقية على ظن نظري وهو واقعة بعث المسيح. وكذلك يقال الشيء نفسه في العشاء الرباني، فسواء أحدث تاريخيا أم لم يحدث، فإنه يعني الوداع، وداع المعلم التلاميذ. والموت والجرح على الصليب لا يهم، إذا كان قد حدث تاريخيا أو لم يحدث، فذلك يعني فشل المشروع. ولماذا الدخول في مناقشات حول صحة الروايات التاريخية مع أن العقل يكفينا، بإعطائنا اليقين العملي؟ وهنا يبدو أن كانط كان مؤسس هذا النقد الخلقي والفلسفي والروحي للكتاب المقدس، والذي سارت فيه البروتستانتية الخلقية، والكاثوليكية فيما بعد، دون أن يعطي اهتماما، كما فعل اسبينوزا من قبل، لنقد النصوص اعتمادا على العقل. ويضرب كانط مثلا ثانيا بآيات الكتاب التي تعارض تصورنا العقلاني لله ولإرادته؛ فقد اتفق اللاهوتيون على ضرورة فهم التشبيه بما يتفق ومقتضيات التنزيه، فالعقل هو المفسر الأعظم. كما أن عقيدة بولس في القضاء المسبق تمثل رأيه الخاص الذي لا يتفق مع العقل لأنه ضد الحرية واختيار الأفعال والمسئولية والأخلاق. (2)

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٤١