تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الصراع المشروع، فإنه ينشأ من ارتباط النظريات التي تسمح بها الحكومة للكليات العليا، للإعلان عنها بإرادة المشرع؛ وبالتالي كانت عرضة للخطأ، وفي الوقت نفسه من مهمة كلية الفلسفة التحقق من صدق هذه النظريات. ويحدث صراع مشروع؛ لأن هذه النظريات تعارض العقل، وهو صراع مشروع، ليس فقط من حيث الحق والقانون، ولكن أيضا من حيث ما ينبغي أن يكون. فإذا كانت هناك بعض النظريات مستمدة من التاريخ، وتوحي بتصديقها، فإن من واجبات كلية الفلسفة فحصها. فإذا اتفقت مع العقل تم قبولها، أما إذا كانت معتمدة على الحس أو العاطفة، فإن من حق كلية الفلسفة إعلان ذلك، بعد فحصها بالعقل الهادئ، وتحويل العاطفة إلى تصور، دون أن ينال ذلك من قدسيتها. ويضع كانط أربعة مبادئ صورية لإدارة مثل هذا الصراع المشروع وهي: (1)

لا يمكن حل هذا الصراع باتفاق ودي، بل يتطلب إصدار حكم، أي قرار له قوة القانون الذي يصدره القاضي، وهو العقل. وهنا يرفض كانط أي مساومة بين العقل وما سواه، أو استعمال العقل في وظيفة التبرير، خادما لشيء آخر، كما هو الحال في اللاهوت. (2)

لا يمكن إنهاء الصراع مرة واحدة وإلى الأبد لأنه سيكون هناك دائما نظريات تعرضها الحكومة، وتدافع عنها الكليات العليا وفي حاجة إلى بحث وتحقيق وتمحيص. إن كلية الفلسفة تدافع عن بقاء هذا الصراع طالما أن هناك عقلا بشريا في مواجهة نظام وضعي متمثل في السلطة السياسية ووكلائها من رجال الدين، ورجال القضاء، ورجال الأعمال. (3)

لا يمكن أن يتضمن هذا الصراع أي إدانة للحكومة، أو اتهامها بالخطأ، فالصراع بين الكليات ليس صراعا مع الحكومة، ولكنه صراع بين كلية وباقي الكليات التي تستخدمها الحكومة بوقا لها. وهو نقاش يدور بين جماعة العلماء، وليس بين الجماعة السياسية. ولا شأن للحكومة بالخلاف بين العلماء. إن الكليات العليا تمثل اليمين في البرلمان، وكلية الفلسفة تمثل اليسار. الأولى تدافع عن الحكومة، والثانية تفحص بحرية وبموضوعية. ولا يجب أن تتدخل الحكومة في هذا الصراع وإلا نصرت الكليات العليا ضد كلية الفلسفة، والتي ما زالت الحكومة تعتبرها بدعة. وهنا تبدو جرأة كانط في اعتبار المعارضة الفكرية يسارا والموافقة يمينا. ويبدو كأحد المناضلين الكبار، دفاعا عن حرية الفكر ضد الوضع القائم. (4)

يدور هذا الصراع إذا كان هناك اتفاق بين جماعة العلماء وجماعة المواطنين فيما يتعلق بالقواعد التي يمكن مراعاتها لصالح التقدم الدائم والمستمر للكليات بنوعيها، نحو كمال أعظم، لاغية بذلك كل الحدود والقيود على حرية الفكر والرأي والتعبير التي تضعها الحكومة. وعلى هذا النحو تصبح الكليات العليا هي الدنيا والكلية الدنيا هي العليا. ولا يحدث هذا التحول بالحصول على سلطة، أو بتغيير الحكومة حلفاءها وعملاءها، ولكن عن طريق إسداء النصح لمن بيدهم السلطة، حتى تجد السلطة في هذه الفكرة أنجح وسيلة لتحقيق غاياتها دون الاعتماد على السلطان.

إن هذا الصراع بين الكليات يهدف أساسا إلى تحقيق غايات قصوى للبشرية وأهداف سامية للإنسانية، وليس حربا أو نزاعا تتباين فيه المقاصد، وخلافا بين ما للأنا وما للآخر من حق وعلم. إن الحرية فوق كل شيء، والحرية فوق الملكية. ومهمة كلية الفلسفة هي توعية الشعب بحقوقه وخلق مجتمع مستنير.

وبعد هذه المبادئ العامة يعطي كانط نماذج عملية لمواطن هذا الصراع وموضوعاته، وطرق حله، بعد أن بين موقع هذا الصراع بين الحكومة والشعب. فموضوع الصراع الأول هو تفسير الكتاب: هل النقل أساس العقل أم أن العقل أساس النقل، كما يقول المسلمون القدماء؟ يدافع عن الموقف الأول اللاهوتي الكتابي، وهو العالم فيما يتعلق بإيمان الكنيسة الذي يقوم على قواعد أي قوانين مستنبطة من إرادة شخص آخر. ويدافع عن الموقف الثاني اللاهوتي العقلي وهو العالم بالعقل فيما يتعلق بالإيمان الديني الذي يقوم على قوانين باطنية، يمكن استنباطها من عقل أي إنسان. ولا يمكن أن يتأسس الدين على مجرد أوامر ونواهي وطقوس، كما أنه ليس عقائد يقال إنها وحي من عند الله، بل يشمل مجموع واجباتنا بوجه عام، باعتبارها أوامر إلهية. فالدين على هذا النحو لا يختلف عن الأخلاق في مادته، أي في موضوعه لأنه يتعلق بالواجبات، ولكنه يختلف فقط في الصورة. أي في تشريع العقل المستنبط من فكرة الله، باعتباره فكرة خلقية من أجل التأثير على الإرادة الإنسانية للقيام بالواجبات. وبهذا المعنى ليس هناك ديانات متعددة بل طرق متعددة للإيمان بالوحي الإلهي وبالعقائد الرسمية التي لا تأتي من العقل، أي صورة مختلفة وتمثلات حسية للإرادة الإلهية. فالمسيحية دين بهذا المعنى. وهي في الكتاب. وتتكون من جزءين مختلفين: قواعد الإيمان

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٤٠