إن الإيمان بالعقائد النصية التي يوحى بها يكون إيمانا صحيحا إذا عرفنا أنها لا تحتوي على أية قيمة نظرية في ذاتها، وأن غيابها أو الشك فيها ليس عيبا ولا نقصا لأن الدين هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. والعمل هو الذي يهم، وليس النظر. ويكون مقياس صحة العقائد النصية، هو مدى اتفاقها أو اختلافها مع العمل. ليست العقيدة هي الإيمان بل العمل؛ إذ إن الإيمان النظري لا يمكن البرهنة عليه مثل العماد، في حين أن الإيمان العملي ظاهر للعيان في سلوك الأفراد. إن العقائد تهم الكنيسة وحدها ونظامها وسلطتها؛ فهي تعيش عليها وتتعيش منها، ولكنها لا تهم الإيمان الباطني واليقين الخلقي. ويبدو أن كانط ينزع هنا نزعة صوفية خالصة، تحيل الدين إلى مجرد أخلاق عملية، هروبا من العقائد النظرية الظنية. (3)
إن العمل يكون نتيجة لاستعمال الإنسان الخاص قواه الخلقية، وليس نتيجة علة فاعلة خارجية علوية، يقف الإنسان أمامها موقفا سلبيا عاجزا؛ لذلك يجب تأويل النصوص التي توحي بهذه العلة، بحيث تتفق مع المبدأ الأول. ويبدو كانط هنا مدافعا عن حرية الاختيار ضد الجبر في الأفعال، مبرزا إرادة الإنسان ومسئوليته الخلقية، في مقابل وضعه السلبي في اللاهوت، بين خطيئة آدم وخلاص المسيح، فلا هو يتحمل وزر آدم الذي تاب الله عليه، ولا هو خلص نفسه بنفسه. (4)
عندما لا يكفي السلوك الشخصي لتبرير الإنسان أمام ضميره، يسمح للعقل بأن يعترف بحدوده، وبأنه في حاجة إلى شيء مكمل يأتيه من فوق الطبيعة، لإكمال نقصه؛ وبالتالي يجب تفسير النصوص الخاصة بذلك، والمتعلقة بشعب معين على هذا الأساس. ويبدو أن كانط هنا يشير إلى عقيدة الاختيار في العقائد اليهودية، ويحاول تفسيرها، بحيث تتفق مع مبادئ العقل، وهو طلب العون بقرار من العقل، ولكن حتى هذا التفسير لا يبدو متفقا مع فلسفة كانط العقلية الصارمة لأنه يعترف بإمكانية عجز العقل، وبأن له حدودا، وبأن وراءه قوة أخرى قادرة على تجاوز هذه الحدود، وهو الموقف اللاهوتي التقليدي الذي يرفضه كانط. فإذا كانت المبادئ الثلاثة الأولى تمثل خطوات إلى الأمام، فإن هذا المبدأ الرابع يمثل خطوة إلى الخلف، بالنسبة لفلسفة كانط، وإن كانت تمثل خطوة إلى الأمام بالنسبة لفهم عقيدة الاختيار في اليهودية. فإذا ما اعترض اللاهوتي الكتابي على هذه المبادئ الأربعة قائلا بأنها تشير إلى دين الطبيعة، وليس إلى المسيحية، أمكن الرد عليه بسهولة بأن المسيحية هي دين الطبيعة والعقل، كما لاحظ لسنج من قبل، حتى ولو كان مصدرها من خارج الطبيعة.
ونظرا لأهمية الاعتراضات التي يمكن أن توجه لمبادئ كانط الفلسفية في التفسير لحل موضوع الصراع، فإنه يورد نوعين من الاعتراضات؛ اعتراض اللاهوتي النصي الكتابي، واعتراض العقل ضد نفسه وضد التفسير العقلي للكتاب. يوجه اللاهوتي الكتابي اعتراضين؛ الأول: أن هذه أحكام كلية الفلسفة التي لا يجب أن تدخل في ميدان اللاهوت النصي. ويمكن الرد على ذلك بأن إيمان الكنيسة في حاجة إلى علم تاريخي، أما الإيمان الديني الباطني فإنه يحتاج إلى العقل وحده . فتفسير الأول كحامل للثاني يتم بمقتضى العقل. فيكون الأول وسيلة، والثاني غاية، وليس هناك من هو أعلى من العقل بشأن الخلاف حول الحقيقة. لا خطر إذن على اللاهوت من الفلسفة، بل إنه لشرف له حل الخلافات بين اللاهوتيين النصيين. وعلى أي حال، في الوقت الذي يتوقف فيه اللاهوت عن استخدام الفلسفة تتوقف الفلسفة عن التدخل في اللاهوت؛ والاعتراض الثاني: أن هذه المبادئ الفلسفية العامة في التفسير مجرد تفسيرات رمزية صوفية، وليست نصية أو فلسفية. وهذا غير صحيح في رأي كانط لأن التفسير النصي هو التفسير الرمزي الذي يأخذ العهد القديم باعتباره مجرد حكاية رمزية