تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقسم كانط الصراع بين الكليات العليا والكلية الدنيا إلى قسمين؛ صراع غير مشروع، وصراع مشروع. ومن غير المشروع: الصراع العلني بين الآراء والنظريات، سواء أكان صراعا علميا في المضمون (لأن العلم ليس مطلبا للجمهور)، أم في الشكل (لأن النقاش لا يقوم على قواعد موضوعية موجهة إلى عقل الخصم، بل على دوافع شخصية وعواطف وانفعالات، بل وباستعمال الحيل، أو وسائل الترغيب غير المشروعة، مثل: الرشوة، والفساد؛ أو أساليب الإرهاب، مثل: العنف). والخطورة أن يحدث مثل هذا الصراع علنيا أمام الشعب؛ مما يسمح للكليات العليا بتملق أذواق الجماهير والاعتماد على جهلها. فتحاول كل منها أن تقنع الشعب بأنها هي الوحيدة التي تعمل على سعادته. الغاية واحدة، ولكن الأسلوب مختلف، ولما كان الشعب لا يضع هناءه وسعادته في الحرية، بل في غاياته الطبيعية، وهي أن يكون سعيدا بعد الموت، وأن تكون ممتلكاته في الدنيا محفوظة بالقوانين المدنية من طمع الآخرين فيها، وأن يتمتع ببدنه في الحياة بالصحة الوافرة والعمر الطويل، فإن كلية الفلسفة لا تستطيع المشاركة في هذه الأهداف إلا بقدر اعتمادها على العقل، وعلى مبدأ الحرية، وعلى ما يستطيع الإنسان أن يقدمه لنفسه بجهده الخاص، وليس بوعود الآخرين: أن يعيش شريفا، وألا يؤذي الآخرين، وأن يكون معتدلا في صحته، صابرا في مرضه، معتمدا على تلقائية الطبيعة. ولتحقيق ذلك، فإنه لا يحتاج إلى علوم عميقة، بل عليه فقط أن يضبط انفعالاته، ويتبع العقل، ولكن الشعب لا يهتم بهذا الجهد الفردي؛ لأنه يريد حلولا أسهل ووعودا أكبر. فيطالب الكليات العليا أن تقدم له مقترحات أكثر قبولا نظرا لأنه يرفض القوانين التي تحد من حريته أو التي تطالبه بالإصلاح والتغيير. ويقول للفلاسفة: كل ذلك أيها العلماء الفلاسفة ثرثرة معروفة منذ زمان طويل، إنما يريد كل منا أن يعرف ثلاثة أشياء؛ الأول: كيف أنال تذكرة إلى الآخرة، وأنا آثم جاحد؟ والثاني: كيف أكسب القضية وأنا مخطئ؟ والثالث: كيف أكون ذا صحة جيدة وأعيش عمرا طويلا، وأن أتمتع بالحياة بطولها وعرضها؟ لقد درستم طويلا، ولكن المهم هو الحس السليم! يتصور الشعب إذن العلماء كأنهم منجمون أو سحرة ينتظرون منهم خوارق العادات! فإذا ما استطاع أحد أن يعطي الشعب ما يطلب، فإنه سيحتقر كلية الفلسفة، ويوقن بعجزها عن أن توفر له احتياجاته. ويكون رجال الأعمال من خريجي الكليات العليا سحرة بالفعل إن لم يتركوا الفلاسفة يعملون ضدهم، ليس من أجل قلب نظرياتهم أو دحضها، بل لكشف هذه القدرة السحرية التي يعزوها الشعب لهم. هذا هو الصراع غير المشروع عندما يتعدى رجال الكليات الثلاث العليا على القوانين متعمدين ذلك، وكفرصة مؤاتية لهم لإظهار مهاراتهم أمام الشعب. إن الشعب يحتاج إلى قيادة، ولكنه يخطئ في تصور قادته عملاء للكليات العليا، وليس علماءها، هؤلاء العملاء الذين يعرفون كيف يدبرون حياتهم، وكيف يعيشون

Savoir faire ، وهم رجال الدين ورجال القضاء والأدباء؛ لذلك تستعملهم الدولة، بعد أن حازوا ثقة الشعب بهم؛ نظرا للوعود التي يلقونها إليهم لفرض نظرية معينة عليه، لا تتفق مع الحكمة، بل تهدف إلى السيطرة عليه. ففي اللاهوت مثلا من الأفضل الاعتقاد بحرفية النصوص، دون فحص ما ينبغي اعتقاده بالعقل، وأن الإتيان ببعض الطقوس وإقامة بعض الشعائر يمكن أن يمحو بعض الجرائم المرتكبة. وفي القانون تهدف طاعة القانون حرفيا إلى منع المواطن من معرفة قصد الشارع. هذا هو الصراع غير المشروع الذي لا يمكن حسمه بين الكليات العليا والكلية الدنيا لأن المبدأ الذي تقوم عليه الأولى هو مبدأ الحكومة، حتى ولو كان الفوضوية ورغبة كل فرد في اتباع ميوله الخاصة. ولو أرادت الحكومة إيقاع الكليات العليا في صراع مع كلية الفلسفة، فإنه سيؤدي، لا محالة، إلى موت الفلسفة كلية. وهي طريقة بطولية لحل الصراع.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٣٩