وتتصف كلية الطب بأن الطبيب فيها فنان يعتمد في دراسته على الطبيعة، في حين تعتمد كلية الطب على مجموع القوانين المهنية. كما أن الدولة تقيم «اللجنة العليا للصحة» لممارسة الطب طبقا للقواعد المعروفة، ولكن هذه القواعد لا تأتي من الطبيعة بل من فن الممارسة والعلاج؛ ومن ثم وجب على كلية الطب الاستعانة بكلية الفلسفة لمساعدتها على معرفة قوانين الطب من الطبيعة، وليس من كلية الطب أو اللجان الطبية على الأقل فيما لا ينبغي عمله أو في بعض المبادئ العامة، مثل ضرورة وجود أطباء للعامة (لأن الخاصة لديهم عند كانط نظام للتغذية يعتمد على قوة الإرادة والسيطرة على الانفعالات)، وأنه ليس هناك عنصر تجريبي يتبع المبدأ، ويتفق معه في كثير من الأحيان. فالمثل الأول يهدف إلى رعاية الحكومة الصالح العام، بينما المثل الثاني يهدف إلى رعاية الأمن العام والاستقرار. وكلاهما يعتمد على «البوليس الطبي» أو الرقابة الطبية! ومع ذلك، فكلية الطب أكثر حرية من الكليتين السابقتين وأقربهما إلى كلية الفلسفة. كما أن الأطباء في تكوينهم لا يعتمدون على كتاب مغلق إلى الأبد، كما هو الحال في كلية اللاهوت، بل على كتاب الطبيعة المنشور دائما. ولا يصل الأطباء إلى قانون علمي بالمعنى الدقيق، بل إلى مجرد قواعد وإجراءات، الغرض منها تحقيق النفع العملي، وهو الشفاء. ومعرفتها لا تكون علما؛ لأن العلم مجموعة من النظريات، لا يمكن للدولة أن تعاقبها، فتتركها للأطباء.
أما الكلية الدنيا، وهي كلية الفلسفة، فهي الكلية التي لا تخضع نظرياتها إلى إرادة حاكم. وقد يحدث أن تخضع عمليا لنظرية ما، ولكن يستحيل اعتبارها حقيقة لأنها مفروضة من الحاكم، ليس فقط موضوعيا (أي ما لا ينبغي أن يكون)، بل أيضا ذاتيا (أي ما لا يستطيع أحد إصداره). ومن يعترف مرة بخطئه فإنه لا يخطئ! ويبدو أن كانط هنا يعيش صراع ما ينبغي أن يكون، وما هو كائن، فيما يتعلق بكلية الفلسفة، ومحاولة الدولة السيطرة عليها، وصراع كانط ضد الدولة دفاعا عن استقلالها. فإذا ما أراد أساتذة كلية الفلسفة عرض نظرياتهم على الجمهور، فإنهم لا يعتمدون في ذلك على سلطة خارجية، بل على سلطة العقل وحده. كما أنهم لا يؤمنون بنظرياتهم إلا على نحو عملي من أجل الممارسة، بالرغم من قدرتهم على برهنة صدقها النظري، بينهم وبين أنفسهم؛ فقد وصلوا إلى نظرياتهم بناء على الفحص الحر، والعقل هو القوة القادرة على ممارسة هذا الفحص الحر.
تعتمد حقائق الفلسفة إذن على العقل وحده، وليس على سلطة الدولة أو الحكومة. وتكون وظيفتها الرقابة على الكليات الثلاث الأخرى، وأن تقدم لها خدمة جليلة؛ لأنها لا تبغي إلا الحقيقة، وهو الشرط الأول للعلم. أما المنفعة التي تقدمها الكليات العليا للدولة، فتأتي في المحل الثاني. ويمكننا أن نترك لكلية اللاهوت هذا الفخر بأنها قد اتخذت كلية الفلسفة خادمة لها، طالما أنها لم تستبعدها، أو تتحكم فيها. إنما المهم أن نعرف هل تسير كلية الفلسفة في المقدمة حاملة المشعل، أم أن كلية اللاهوت تجرها وراءها، فتخفي نورها! ويضاف إلى هذا التواضع الذي تمثله كلية الفلسفة الحرية في فحص الحقائق، ثم إعطاء نتائج هذا الفحص الكليات العليا، وتوصية الحكومة بها، وبأن الفلسفة ليست موضع ريب أو تهمة، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها. وتشمل كلية الفلسفة قسمين: العلوم التاريخية التي تعتمد على التاريخ (مثل: التاريخ، والجغرافيا، واللغة، والعلوم الإنسانية، وكل ما يقدمه علم الطبيعة)، والعلوم العقلية الخالصة التي تعتمد على العقل (مثل: الرياضة، والفلسفة، وميتافيزيقا الطبيعة، والأخلاق). ويدخل ضمنها بحث العلاقة بين القسمين من العلوم، وكل أجزاء المعرفة الإنسانية، من حيث إنها موضوع للبحث والفحص والنقد والتمحيص. تطالب كلية الفلسفة إذن بفحص كل العلوم، ولا يمكن للحكومة منعها من ذلك. ويجب أن تقبل الكليات العليا اعتراضها وشكوكها وتساؤلاتها. ومن المؤسف والمحزن حقا أن يسبب نقد الفلسفة هز الكليات العليا، وزعزعة استقرارها وأركانها، والنيل من مكاسبها؛ لذلك فمن الطبيعي أن يعارض رجال الكليات العليا نقد الفلسفة؛ لأنهم يمثلون جهاز الدولة ونظامها وسلطتها. ويمكن للأساتذة العلماء فقط معارضة نقد الفلسفة لأنهم مثل الفلاسفة، ولكن لا يسمح بذلك لعملاء الدولة أساتذة الكليات المتواطئين مع نظام الدولة والداعمين له على حساب الحقيقة. ومن الطبيعي أن يحدث ذلك؛ لأنه لو نقد رجال القانون القانون لحثوا الشعب على العصيان والتمرد، ولو نقد رجال الدين اللاهوت لرفض الناس سلطة الكنيسة، ولو نقد الأطباء قواعد الطب لما وثق المرضى في علاجهم. إنما يمكن للأساتذة العلماء وحدهم النقاش في اعتراضات الفلسفة فيما بينهم، باسم العلم والعقل، من أجل الوصول إلى الحقيقة. وكثيرا ما تسبب هذه المناقشات أن يرجع بعض الأساتذة والطلاب في نهاية الأمر إلى الحقيقة صاغرين؛ فليس هناك أفضل من العقل المستنير، والتسليم بالحق فضيلة.