تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يبين كانط الصفة الخاصة المميزة لكل كلية من الكليات العليا الثلاث؛ ففي كلية اللاهوت يبرهن اللاهوتي على وجود الله؛ فقد عبر الله عن نفسه في الكتاب، كما أن الكتاب يتحدث عن طبيعة الله، وبطريقة تصل إلى معارضتها للعقل، كما هو الحال في الحديث عن الثالوث. أما إثبات أن الله قد تكلم من خلال الكتاب، فهذا ما لا يستطيع اللاهوتي برهنته، لأن ذلك مجاله التاريخ، أو تصل إلى إمكانيات العقل الخالصة، وهو ما يخص كلية الفلسفة. وكأن كانط يشير هنا إلى أن اللاهوتي واقع في الدور المنطقي لا محالة، إذ ما أراد البرهنة على وجود الله من خلال الكتاب، والبرهنة على المصدر الإلهي للكتاب الذي يتطلب الإيمان بالله مسبقا، وأنه لا مخلص للاهوتي من هذا الدور إلا الفيلسوف الذي يقطع هذه الدائرة، ويبرهن له إمكانية الوحي. ليس أمام اللاهوتي دون مساعدة الفيلسوف إلا أن يؤسس المصدر الإلهي للكتاب على الإيمان، على أساس من عاطفة الألوهية. ولسوء الحظ لا يستطيع العالم أن يتساءل أمام العامة عن أصل هذه العاطفة، لأن العامة لا تهتم بالعلم، بل تريد الإغراق في الأحلام والتمنيات، ويبدو أن كانط هنا يشارك علماء أصول الدين في تراثنا القديم الذين منعوا العامة من الدخول في علم الكلام، وكما بين الغزالي في كتابه المشهور «إلجام العوام عن علم الكلام». وهو حديث الصوفية والفلاسفة نفسه، في تفرقتهم بين الخاصة والعامة، مما يدل على أن التنوير في ألمانيا كان عمل الخاصة، وليس العامة، كما هو الحال في فرنسا. ولا يستطيع اللاهوتي أيضا أن يفسر الكتاب إلا طبقا للتفسير الحرفي، ولا يستطيع تفسيره بحيث يتفق مع الحقائق الخلقية. وكما أنه لا يوجد مفسر إنساني لديه سلطة إلهية، فإن اللاهوتي يجد نفسه مضطرا للاعتماد على مصدر من فوق الطبيعة يقود الذهن إلى المعنى الصحيح إن لم يطلب مساعدة الفيلسوف القادر على أن يبين له اتفاق المعنى مع العقل. أما فيما يتعلق بتطبيق الأوامر الإلهية، فإن اللاهوتي لا يعتمد في ذلك على الإرادة الإنسانية بل على الفضل الإلهي، عن طريق إيمان قلبي خالص بالتوفيق والهداية والعون والتأييد. وهو ما لا يتفق مع العقل والإرادة الإنسانية الحرة؛ لذلك يجد اللاهوتي نفسه وقد قفز إلى أحضان الكنيسة كي ترعاه وتعطيه سلطاتها، وإلا تحول كل شيء إلى فوضى خارج الكنيسة. وواضح أن كانط هنا ينقد الموقف السلفي التقليدي الذي يمثله المحدثون في تراثنا القديم، والذي يعطي الأولوية للنقل على العقل، والفعل الإلهي على الفعل الإنساني، والتشبيه على التنزيه، وقدم القرآن على خلقه، ويؤسس الموقف الاعتزالي الذي كان وراء ظهور فلسفة التنوير، كما يتضح عند لسنج بوجه خاص.

وتتصف كلية الحقوق بأن القانوني فيها يبحث عن قوانين تضمن حقوق الناس كمواطنين في الدولة. ولا يبحث ذلك طبقا للعقل، بل طبقا للقانون الرسمي الذي تدخل مخالفته تحت طائلة العقاب. ولا يمكننا مطالبته بالبرهنة على صحة هذه القوانين أو الدفاع عنها ضد اعتراضات العقل، فمن السخف عصيان القوانين التي تعبر عن الإرادة الخارجية بدعوى أنها لا تتفق مع العقل لأن احترام الدولة ينتج من أنها لا تترك لكل فرد أن يحكم على هواه بصحة هذه القوانين أو بطلانها، ولكن فقط طبقا لإرادة المشرع، ومع ذلك، فإن وضع كلية الحقوق من الناحية العملية أفضل بكثير من كلية اللاهوت؛ لأن لديها مفسرا مرئيا حاضرا للقانون، وهو الفقيه، أو الأصولي، أو لجنة قضائية، أو المشرع نفسه. وليس الأمر كذلك في تفسير الكتاب المقدس الذي لا يعلم معناه إلا الله، ولكن يعيبها أن القانون الإنساني متغير، في حين أن الكتاب المقدس لا يتغير. كما أن شكوى القانوني من غياب قاعدة عامة للسلوك الموحد للناس لا يشكو منها اللاهوتي الذي لديه مثل هذه القواعد العامة المتمثلة في الأوامر والنواهي. هذا بالإضافة إلى أن المحامي أو القانوني لا يضمن للمواطن تطبيق القانون ومسئوليته عن ذلك، في حين أن اللاهوتي يضمن ذلك للمتدين يوم القيامة، ويعتبر نفسه مسئولا عن ذلك! وهم مطمئنون إلى أن أحدا لن يعارضهم في مثل هذا التأكيد، بالاعتماد على تجارب الدنيا، فشتان بين ما يحدث في الآخرة من يقين، وما يحدث في الدنيا من ظنون. ويبدو أن كانط في تصوره الكليات الثلاث العليا على أنها تهدف إلى طاعة الناس يتفق مع اسبينوزا الذي يجعل ذلك من وظيفة الإيمان. في حين أن العقل عند كانط والفلسفة عند اسبينوزا يدعوان الناس إلى الخروج على الطاعة والرفض والثورة على النظام القائم، بالرغم مما في لغة كانط من حيطة وحذر، ومن استعمال لغة الإثبات، وهو يقصد بها لغة النفي، وهو الدرس الذي تعلمه من ديكارت.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٣٧