تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

ويشهد التاريخ على موت الفلسفة إذا ما ارتبطت بشيء آخر غير الإنسان، سواء كان الله أو الطبيعة، الصورة أو المادة، بصرف النظر عن أسسها الإنسانية في العقل والحس في النظر والمشاهدة، في الرؤية والإدراك. فقد ماتت الفلسفة بعد أن أصبحت أحد فروع علم اللاهوت فتحزبت وتحجرت، وتمذهبت وضاع منها روح البحث وحرية الفكر واستقلال الرأي والقدرة على التغيير والإبداع. وعلم اللاهوت ذاته هو علم إنسان «مقلوب» يعبر عن وعي الإنسان بذاته على نحو مغترب، خارجا عنه، عابدا إياه. حدث ذلك في العصر الوسيط وفي الفلسفة المدرسية. كما حدث لدينا في علم الكلام أو في علم العقائد بالرغم مما قاله المهندسون في الإلهيات ومحاولتهم إرجاع اللاهوت إلى تجاربه الحسية، وبالرغم من قول أبي شعيب: إن الإنسان هو العالم القادر الحي بالحقيقة، والله هو العالم القادر الحي بالمجاز.

3

كما تموت الفلسفة إذا ما تحولت إلى مباحث نظرية خالصة أو إلى علوم رياضية صورية كما هو الحال في المنطق الرياضي الحديث أو في مدارس تحليل اللغة. فالصورية لا حياة فيها ولا دم ولا لحم ولا عظم، ولا صراع ولا مواقف ولا تناقض أو اشتباه. تلغي الفردية وتتنكر للخصوصية ولا تبحث إلا عن العموم والشمول. بل إن المفاهيم الرياضية ذاتها لها أسسها النفسية في الشعور، والتجريد ذاته ما هو إلا ظاهر يكشف عن مضامين شعورية. تموت الفلسفة إذا ما كانت بحثا نظريا مجردا عن «الخالص» و«النظري» و«الحقيقي». فذلك لا وجود له إلا بعد تجريد العقل للموضوع. وهنا تعيش الفلسفة على ذاتها وتصبح الذات والموضوع في آن واحد.

وتموت الفلسفة أيضا إذا ما أصبحت مبحثا في الوقائع المادية كما هو الحال في العلوم الطبيعية، فالمادية وهم وخداع تحت ستار الموضوعية وباسم التجرد والنزاهة والحياد. فلا ترى الطبيعة من خلال منظور إنساني، ولا تتم الرؤية إلا من خلال الإدراك الحسي أو العقلي. كما أنه لا يمكن التجرد من الأهواء والانفعالات والمواقف الإنسانية بل والمراحل التاريخية والبناء النفسي للأجيال وروح العصر. الموضوعية العلمية خرافة. بل إن النسق التصوري العلمي كله من وضع الذهن. كما أن الاطراد الذي يتسم به القانون الطبيعي ضد الفردية، والحتمية في الطبيعة ضد الحرية الإنسانية. وفي نهاية الأمر لا يظهر العلم إلا في مجتمع مستقر يريد أن يؤسس بنيانه على نحو علمي؛ ومن ثم ارتبط بالكيان الاجتماعي أي بالإنسان.

4

ولكن تحيا الفلسفة إذا ما كانت تفكيرا في الإنسان، وإذا ما استمدت مادتها من العلوم الإنسانية. يتضح ذلك من الفلسفة اليونانية باتجاهاتها الثلاثة: المثالية والواقعية والإنسانية، وعلى وجه خاص في «محاورات» أفلاطون وموضوعاتها الإنسانية: المحبة، الصداقة، الجمال، العدالة ... إلخ. كما أن الفلسفة عند أرسطو قريبة الصلة بالسياسة والأخلاق، وليست فقط بالمنطق والطبيعة والفلسفة الأولى. كانت الحكمة مطلبا إنسانيا، وكان البحث عن السعادة هدفا إنسانيا. وقد لخص ديوجين حكمة اليونان حاملا مصباحه في بحثه عن «الإنسان».

5

وربما ما بقي من الفلسفة المسيحية هو الجانب الإنساني فيها الذي يتلخص في عقيدة الله - الإنسان. وربما ما بقي منها هو أريوس وأوغسطين. أي الإنسان والتجربة الحية. وربما كان أكثر الموضوعات حيوية في العصر الوسيط هو العقل والنفس والاتصال والخلود والمعاد، أي الجوانب الإنسانية في الفلسفة، وكان نصرا فعليا يوم بدأت العصور الحديثة في القرن السادس عشر بالمذهب الإنساني عند «اراسم» حيث ظهر الإنسان محور الكون. وكان البحث في البدن بداية للتعرف على الإنسان الحي في مواجهة كل ما هو غير إنساني في السلطة أو في العقائد أو في المناهج. وكان تتويج هذا النصر وبداية الوعي الأوروبي «الكوجيتو» عند ديكارت حيث أصبحت الفلسفة مرادفة للوعي الأوروبي واعيا ذاته والإنسانية معه، وأصبحت المثالية الترنسندنتالية بعده تطويرا للكوجيتو الديكارتي، وتأكد الإنسان محورا للكون في الثورة «الكوبرنيقية»: الذات في المركز والعالم يدور حولها. ثم تحولت الذات إلى روح، والروح إلى تاريخ على يد هيجل حتى أصبح الوعي الفردي مرادفا للوعي الحضاري، وأصبح الإنسان هو الإنسانية كلها. وكانت فلسفة التنوير قبل ذلك قد ربطت الفلسفة بالعلوم الاجتماعية، وخرجت من دوائر المتخصصين والمهنيين في صياغات البراهين على وجود الله وخلق العالم وخلود النفس، بل تجاوزتها إلى وضع الإنسان في المجتمع والتاريخ وفي أنظمة الحكم والمذاهب السياسية. ثم أتى الكانطيون للتأكيد على الإنسان كما هو الحال عند نيتشه ولكشف الشيء في ذاته واعتباره إرادة الإنسان عند شوبنهور. كما استمر الكانطيون الجدد في هذا التوجه الإنساني والانتقال من «الأنا أفكر» إلى الاجتماع والسياسة والأخلاق والقانون. وازدهرت الفلسفة أخيرا في مدرسة فرانكفورت، واستطاعت أن تتحد بالعلوم الإنسانية خاصة علم الاجتماع وأن تصوغه كفلسفة، وأن تصوغ الفلسفة كعلم اجتماع سواء في السياسة أو في الاجتماع أو في الفن أو في الحضارة. بل إن الوجوديين أنفسهم ربطوا بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية والتاريخية. فارتبط سارتر بالسياسة والتاريخ وعلم النفس. كما ارتبط ميرلو بونتي بعلم النفس وعلم الأحياء والعلوم السياسية. كما كانت بدايات ياسبرز علم الأمراض النفسية والعام، بل إنه لا يوجد أي فرق الآن بين الفلسفة والعلوم الإنسانية في أهم التيارات الفلسفية العلمية المعاصرة وهي الماركسية والفرويدية والبنيوية.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٢٣