تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

ثم قام الوعي الأوروبي بحركة ارتدادية للكشف عن الجوانب الإنسانية في اللاهوت وفي الطبيعة على السواء. فإذا كانت موضوعات الفلسفة ثلاثة: الله والطبيعة والإنسان، وأن الفلسفة إما إلهية أو طبيعية أو إنسانية، فقد كشف الوعي الأوروبي أن الفلسفتين الإلهية والطبيعية هما في حقيقة الأمر فلسفة إنسانية، مرة مغتربة إلى أعلى ومرة أخرى مغتربة إلى أسفل، وكلتاهما خارج المنظور الإنساني، مرة فوقه ومرة تحته. فقد كشف فيورباخ خاصة «أن كل علم لاهوت هو علم إنسان مقلوب» وأن كل ما قيل في أوصاف الله وصفاته هو في حقيقة الأمر أوصاف وصفات إنسانية قذف بها الإنسان خارجا عنه نتيجة لاغترابه في العالم. كما كشف هوسرل أن العلوم الطبيعية ذاتها بناء إنساني وأن العلم هو في الكشف عن البناء الشعوري للعلم في مرحلة ما قبل الفهم. فإذا كان الوعي الأوروبي قد بدأ بالكوجيتو فإنه يكون قد انتهى بالكوجيتاتوم

Cogitatum

فيصبح الإنسان هو الأنا أفكر وهو موضوع التفكير في آن واحد.

7

وقد حدث الشيء نفسه في تراثنا القديم عندما ارتبطت الفلسفة بالعلوم الإنسانية وبالموسيقى عند الكندي والفارابي، وبعلوم الأخلاق والسياسة عند الفارابي، وبالتشريع عند ابن رشد. بل إنها ارتبطت أيضا بعلوم الحياة مثل الطب والتشريح والنبات والصيدلة. وقد وضح ذلك بصورة خاصة في «رسائل إخوان الصفا» حيث أضيف جزء أخير عن «النفسانيات» على التقسيم الثلاثي التقليدي، المنطق والطبيعيات والإلهيات. ومع ذلك ما زلنا لم نصل بعد إلى الكشف عن الإنسان في تراثنا القديم وراء الإلهيات والطبيعيات، وأن نبدأ الوعي الحضاري الجديد ابتداء من الوعي الذاتي حتى تحيا الفلسفة من جديد.

8

| تاسعا: الفلسفة والتاريخ

لقد ارتبطت الفلسفة بالتاريخ ليس فقط من حيث هو تاريخ الفلسفة أي رصد تاريخ الفكر البشري وتقلباته بل من حيث هو فلسفة التاريخ؛ أي التفكير في تطور التاريخ وحركته ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطور ويصف هذه الحركة. بل إن تاريخ الفلسفة ذاته ليس رصدا ميتا للمذاهب والنظريات الفلسفية عبر التاريخ دون رجوع إلى ظروفها التاريخية وتعبيرها عن روح العصر، بل هي معرفة التجارب البشرية الفردية والاجتماعية والتاريخية التي خرجت منها هذه الفلسفات. تاريخ الفلسفة هو تاريخ الروح البشري في مواجهة الواقع وعبر التاريخ؛ لذلك كان هناك نوعان من تاريخ الفلسفة؛ الأول هو الرصد الكمي لتاريخ الأفكار بلا منظور أو قانون أو دلالة؛ والثاني محاولة الدخول في أعماق التاريخ والذهاب إلى ما وراء الأفكار لمعرفة دلالاتها على عصورها وظروف نشأتها والتجارب الحية التي وراءها، وصلتها بالمرحلة التي قبلها وتمهيدها للمرحلة التي بعدها. الأول موت للفلسفة، والثاني حياة لها. لقد كانت الفلسفة ابنة عصرها تعبر عن أزمة العصر وتحاول إعطاء حلول تعبر أيضا عن تصور العصر وتجاوزه إلى ما بعده. نشأت الفلسفة في التاريخ، وخرجت من موقف ولكن ضاعت على أيدي أساتذة الفلسفة ومحترفيها واجتثوها من الجذور، وعرضوها كطائر في الهواء لا مستقر له ولا مكان. الصلة بين الفلسفة والتاريخ واضحة بذاتها. وعليها يتوقف موتها أو حياتها. إذا ما ارتبطت الفلسفة بالتاريخ تنمو وتزدهر وتحيا. وإذا انفصلت عن التاريخ تخبو وتتقلص وتموت.

الفلسفة حركة التاريخ. وفصلهما مثل فصل الروح عن البدن، وإثبات الروح مجردة غير مرئية لا مستقر لها إلا في عالم الغيب، وجثة هامدة لا حراك فيها تنحل بعد حين، فتندثر الأمم. وأغلب ما يشاهد فيه موت الفلسفة وحياتها في التاريخ في نهاية مرحلة وبداية أخرى، وفلسفة العصور الذهبية حية باستمرار، وفلسفة الخمود والانحطاط ميتة باستمرار، ولكن البعث الفلسفي يحدث في لحظات الموت والحياة عندما تخبو حركة التاريخ ثم تبعث فيها الحياة من جديد. فأرسطو وابن خلدون واشبنجلر وتوينبي وبرجسون وهوسرل في نهاية عصر عندما تؤذن الحضارة بالنهاية. وسقراط والكندي، وديكارت، والطهطاوي بدايات لعصور عندما تبعث الحضارة من جديد.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٢٤