Aufheben ؛ والثاني إيجابي لبداية الطريق للحصول على المعارف الجديدة وهداية الذهن سماه ديكارت اليقين، وبيكون التجربة، وهوسرل البناء أو التكوين، وهيجل الإثبات. أصبح الفكر الأوروبي كله نتيجة طبيعية لاستعمال هذه المناهج وازدهرت الفلسفة بفضلها، وأصبحت معظم التحولات الجذرية فيه نتيجة لاكتشافات منهجية.
6
وقد حييت الفلسفة في تراثنا القديم بعد وضع المناهج الإسلامية وتجاوز الفكر الإسلامي للمعلومات المتراكمة التي بدت في علوم الحكمة. فقد وضع علماء أصول الفقه «منهج التنزيل»، كما وضع الصوفية «منهج التأويل». ومنهج التنزيل هو المنهج الشرعي الذي يقوم على الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد أو القياس، يهدف إلى البحث عن العلة المؤثرة في الحكم لتعديته من الأصل إلى الفرع إذا ما تشابهت العلة. كما أنه يضم مباحث الألفاظ لضبط فهم النصوص مثل الحقيقة والمجاز، الظاهر والمؤول، المحكم والمتشابه، المجمل والمبين، المطلق والمقيد ... إلخ. ويشمل أيضا مباحث المعاني أو دلالات الألفاظ لمعرفة اقتضاء اللفظ ومدلول الخطاب. كما يشمل مناهج الرواية لضبط صحة النصوص خاصة الحديث والتمييز بين التواتر والآحاد والنقل باللفظ والنقل بالمعنى. وأخيرا وضع منطق للأفعال وتقسيمها إلى مقاصد وأحكام، ووصف سلوك الإنسان في العالم بين الإيجاب والسلب، وبين الإمكان والضرورة، يرتبط بمصالح الأمة وبحاجات العصر، ويلبي متطلبات كل جيل. فهو منهج متكامل يدل على جوانب الإبداع في تراثنا القديم. وعلى أساسه تم نقد المنطق الأرسطي ووضع منطق جديد مكانه هو المنهج الإسلامي. ولولا إعطاء الأولوية للأصل على الفرع وسيادة المنهج النصي وعدم الجرأة على تحليل العلل المؤثرة لكان للمنهج الأصولي أبلغ الأثر في حياتنا المعاصرة.
7
وفي مقابل هذا المنهج وضع الصوفية منهج التأويل لفهم النصوص والرجوع بها إلى مصدرها الأول وهو الله يرتفع فيه الخلق إلى الخالق، وتسقط الأوصاف الإنسانية وتثبت الصفات الإلهية، فيتحد الخلق بالحق ويفنى الإنسان ويتحد بالله. يسير في هذا الطريق ابتداء من المرحلة الأخلاقية من أجل التحلي بالأخلاق الكريمة إلى المرحلة النفسية من أجل علم بواطن القلوب إلى المرحلة الميتافيزيقية من أجل الوحدة المطلقة. يتدرج الإنسان فيه من مقام إلى مقام، وتعرض عليه الأحوال حتى يصل إلى الفناء المطلق. ولولا معاداة العقل (باستثناء حكمة الإشراق) والإيغال في العلوم اللدنية والعروج إلى السماء والهروب من العالم والنزعة الفردية لأمكن لهذا المنهج أن يقيلنا من عثرتنا في حياتنا المعاصرة.
8
| ثامنا: الفلسفة والعلوم الإنسانية
تموت الفلسفة إذا ما انعزلت عن الإنسان، وتنتهي الحكمة إن لم ترتبط بالعلوم الإنسانية؛ فالفلسفة بناء إنساني يقوم بها الإنسان ليتكيف من خلالها مع الواقع إذ إنها تفسر له العالم، وتشرح له ألغازه، ولكن لما كان الإنسان البدائي يصارع من أجل البقاء فإنه قد نسي ذاته في مواجهة الطبيعة وأخذ الحل ونسي المشكلة. ولما كانت المشكلة مخاطر الطبيعة، وكان الحل القوى الخفية والآلهة والأرواح المسيطرة عليها التي يمكن استرضاؤها بالسحر والقرابين ركز الفكر الإنساني على الله ونسي الإنسان، وجعل الله محوره واهتمامه ونسي ذاته، وكأن الذهن البشري يصل إلى النهاية وينسى البداية، يفرح بالحل وينسى الأزمة. وفي ذلك موت للفلسفة لأن السحر والقرابين ومظاهر العبادة تكيف عملي دون طرح نظري. ولما كان العمل في حاجة إلى من يقوم به نشأت طبقة الكهنة من أجل تنظيم العمل، وتولدت منها الكنيسة، وخرج منها رجال الدين، ونشأت عنها السلطة الدينية التي أصبحت فيما بعد أكبر خطر يهدد الفلسفة.
1
وبيقظة الوعي الإنساني واكتشافه قدرته على النظر العقلي وعلى وصف الظواهر الطبيعية اتجه نحو العقل، هذا الذي أنقذه من الخرافة والسحر والأساطير والأوهام، وحاول البحث عن النظري الخالص، واستمر في التجريد شيئا فشيئا حتى غاب الجانب الإنساني منه، وأصبحت النظرية هي كل شيء والصورة الخالصة هي المطلب الأساسي كما حدث في «البنيوية» أخيرا وسيطرتها على «علم الإنسان». كما اتجه نحو الطبيعة من خلال التجربة والمشاهدة والمدركات الحسية. واستمر في المشاهدة حتى نسي الجانب الإنساني في العلم، وطغت «المادة» على كل شيء وكأن المادة تدرك وتتحدث وتدل. ثم تحولت الطبيعة إلى صورة، والظواهر إلى معادلات كما هو الحال في الطبيعيات الحديثة التي لا تفترق عن الرياضيات البحتة، وأصبح التجريب الآن هو نوع من حساب الاحتمالات النظرية الخالصة. وأصبح الإنسان في نهاية الأمر، وهو الخالق لهذا كله، للدين والسحر والأسطورة والعقل والعلم، أصبح يعيش شيئا فشيئا في عالم لا إنساني.