تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

ولم يختلف الحال كثيرا في تراثنا الفلسفي القديم؛ فقد كانت الفلسفة فكرا موسوعيا يقوم على تجميع المعارف والعلوم وتصنيفها وإعادة ترتيبها وتبويبها حتى دون نسبة المعارف إلى أصحابها والمعلومات إلى مصادرها. فالمعارف مشاع للجميع بل ودون تحقق من صحة النسبة حتى كثر الانتحال والآراء المجهولة المؤلف. فلا يهم إن كان مؤلف «أثولوجيا أرسططاليس» أرسطو أم أفلوطين، ولا يهم إن كان كتاب «التفاحة» من وضع أرسطو أم منتحلا. وكأن الذهن البشري به قوالبه المسبقة وتصوراته للعالم، وما على الفيلسوف إلا ملء الفراغات والبحث عن المضامين البعدية لهذه الإشكالات القبلية. وأكبر نموذج على ذلك «رسائل إخوان الصفاء» وموسوعة «الشفاء» لابن سينا. خرجت الفلسفة أقساما: المنطق والطبيعيات والإلهيات إلى آخر ما وصلت إليه الحضارة البشرية في هذه العلوم؛ لذلك ظلت الفلسفة غريبة على مجتمعها، دوائر منعزلة على هامش الحضارة، نقاطا على المحيط بعيدة عن المركز حتى لقد سمي الفلاسفة المشاءون أتباع أرسطو.

ولا يزال الحال كذلك في جامعاتنا ومعاهدنا، كم من المعلومات يحفظها الطلاب ويضعها الأساتذة في كتب مقررة دون منهج للتفكير أو طريقة في البحث. فالعالم هو الحاوي للمعارف، والحافظ والناقل والمحدث والراوي وليس المخترع أو المكتشف. وإن كثيرا من الاضطراب في حياتنا الفكرية المعاصرة ناشئ من اضطراب في الفكر المنهجي؛ فقد غلب على ثقافتنا المعاصرة إما النقل عن الغرب أو النقل عن القدماء دون ما منهج لتحليل الواقع ومن ثم غاب الإبداع وماتت الفلسفة.

3

ولكن تحيا الفلسفة بالفكر المنهجي، فطريقة وضع السؤال أهم من الإجابة على السؤال، وكما قال القدماء نصف الإجابة في طريقة وضع السؤال. لقد ظلت الفلسفة اليونانية باقية في الفكر البشري لمناهجها التي وضعتها، وليس لعلومها واكتشافاتها ومعارفها. فقد وضع سقراط منهج التهكم والتوليد القائم على السخرية من الخصوم وتوليد الحقائق منهم دون أن يدروا وعلى غير وعي منهم. ووضع أفلاطون المنهج الجدلي، الجدل النازل للانتقال من المثال العقلي إلى العالم الحسي، والمنهج الصاعد للانتقال من العالم الحسي إلى المثال العقلي، وكلاهما يكونان منهجا جدليا رأسيا مزدوجا يجمع بين المثال والواقع، بين المعقول والمحسوس. مما يدل على أن الصراع بين المثالية والواقعية هو في حقيقة الأمر صراع منهجي. ثم جاء أرسطو وأراد البحث عن الصوري والفردي، عن العام والخاص، ووضع المنطق آلة للعلوم كلها؛ لذلك كانت تجد كل محاولة للجمع بين المثالية والواقعية في أرسطو رائدا لها. واتبع السوفسطائيون منهجا آخر، منهج تحليل الألفاظ لمعرفة معانيها الدقيقة منعا للبس والاشتباه، وهو المنهج الذي شاع في الفلسفة المعاصرة بنفس الاسم.

4

ثم حييت الفلسفة من جديد على يد القديس أوغسطين في عصر آباء الكنيسة بالعودة إلى منهج سقراط في الحوار. وأضاف على تحليل الألفاظ تحليل التجارب البشرية للبحث عن دلالاتها وإيجاد المضمون الإنساني للعقائد في الوجود الإنساني ذاته. كما حول الأفلاطونيون المسيحيون الجدل الصاعد عند أفلاطون إلى طريق إلى الله كما هو الحال عند القديس بونافنتير، وحوله الجدليون في العصر الوسيط المتأخر إلى منطق في الإقناع والتبشير ومحاورة الخصوم على ما هو الحال في «المنطق الجديد» عند ريمون الليلي. فاشتدت الحركة الفكرية وازدهرت الفلسفة معلنة بدايات العصور الحديثة.

5

ثم جاءت العصور الحديثة وأحدثت تغيرا كيفيا في مسار الوعي الأوروبي وتحولا جذريا في حضارته التي أبدعها وذلك بوضعها المناهج الحديثة من أجل إعادة تأسيس العلوم فنشأت المناهج الثلاثة التي أصبحت تميز الحضارة الأوروبية والتي تعيد إحكام نفس المناهج التي صاغها القدماء. وضع ديكارت قواعد المنهج الاستنباطي من أجل الحصول على اليقين في العلوم، واستعار منهج العلوم الرياضية الذي يعتمد على المسلمات والبديهيات والمصادرات واستنباط النتائج منها باعتبارها مقدمات. ويكون مقياس صدق النتائج هو تطابقها مع المقدمات وليس مع الواقع. وقد تم تطبيق هذا المنهج في الدين والأخلاق كما هو واضح عند اسبينوزا. كما وضع بيكون قواعد المنهج التجريبي اعتمادا على شهادة الحس والتجربة وابتداء من الملاحظة وانتهاء بالقانون العلمي بعد الفرض والتجريب، ويكون صدق النتائج مرهونا باتساقها مع الواقع وتحقيقها في التجربة. وتم تطبيق هذا المنهج في العلوم الطبيعية خاصة ثم تبنته العلوم الإنسانية فيما بعد نظرا لنجاحه وإنجازاته. وقد حاول البعض، مثل جون ستيورات مل وغيره، ضم المنهجين معا في منهج استنباطي استقرائي من أجل صياغة منهج متكامل شامل، ولكن نقصته الحياة التي لا يمكن تبخيرها في الصورة بالاستنباط أو ردها إلى المادة بالاستقراء. وهنا ظهر هوسرل وفلاسفة الحياة، دريش ودلتاي وبرجسون وشيلر، ووضع قواعد المنهج الفينومينولوجي من أجل تحليل التجارب الحية وإدراك ماهياتها بالحدس في الشعور في الإحساس الداخلي بالزمان ومن أجل الكشف عن الأشياء ذاتها، ويكون مقياس الصحة هو تطابق النتائج مع التجارب الحية للفرد وللجماعة في مدينة العلماء. هذا بالإضافة إلى المنهج الجدلي الذي وضعه هيجل من أجل الوصول إلى الحقيقة والانتقال من الموضوع إلى نقيض الموضوع إلى مركب الموضوع، ثلاث لحظات تحدد مسار كل موضوع. وكان لكل منهج شقان؛ الأول سلبي للتخلص من المعارف القديمة وتطهير النفس من أخطائها والبداية من جديد على أسس أكثر يقينا سماه ديكارت الشك، وبيكون القضاء على الأوهام، وهوسرل الرد أو الاقتضاب أو التوقف عن الحكم أو الوضع بين قوسين، وهيجل النفي أو الهدم أو الرفع بمعنى الإزالة وهو أحد معاني فعل

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٢١