4
وفي تراثنا القديم قام الفقهاء بالدور نفسه بالنسبة للتراث الأجنبي الوافد حماية للعقائد ودفاعا عن الحضارة. قام الفقهاء بنقد المنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية كما فعل ابن تيمية. وقام آخرون بنقد الكتب المقدسة مبينين ما فيها من زيف ووضع وتبديل وتحريف بالاعتماد على قواعد المنهج التاريخي كما وضعها علماء الحديث. كما قام البعض بالنقد الاجتماعي مبينين عيوب التصوف وخطورته على المجتمع مثل عقائد الولاية والإمامة والحلول والاتحاد والفناء ووحدة الوجود. ولكن لسوء الحظ لم يشمل هذا النقد الأصول ذاتها فوقعوا في التشبيه والحرفية وضيق الأفق والتعصب. كما حاولت الحركات الإصلاحية الحديثة الإعلاء من شأن العقل ولكنه ظل محددا تحت وصاية النبي. ولولا قدوم الضباط الأحرار قبل المفكرين الأحرار لكان بالإمكان ظهور المعتزلة الجدد وأن تحيا الفلسفة بعد موت.
5
| سابعا: الفلسفة والمنهج
تموت الفلسفة إذا تحولت إلى جمع المعلومات دون منهج، وإلى تصنيف المعارف دون طريقة في الاستدلال، فالفلسفة أساسا منهج أو طريق وليست معرفة أو علما. وقد كانت معظم التحولات الأساسية في الفكر البشري تحولات في المنهج أكثر منها زيادة في المعارف والعلوم؛ لذلك كان المنطق أو مناهج البحث جزءا من الفلسفة. فالمنطق بتعريف القدماء آلة للعلوم يعصم الذهن من الخطأ. ومناهج البحث هي طرق الاستدلال التي لا يستغني عنها باحث في أي علم. وينشأ من هذا العلم الكمي تضارب المعلومات دون أي اتساق فيما بينها ووضع الصواب مع الخطأ، الصحيح مع الباطل، العلمي مع الأسطوري دون أي معيار للصدق بينهما. ويكون حينئذ الطريق الوحيد لزيادة المعارف هو النقل أو الرواية عن القدماء، جيلا بعد جيل، والاعتماد على المأثور دون المعقول، والأخذ بالأثر دون الرأي. ويغيب الواقع كلية وتتوقف الحياة ويلحق الضرر بالمصالح العامة إذ يكون العلم في جانب وواقع الناس في جانب آخر. ثم تستأثر جماعة معينة بالعلم فلا يشيع بين الجميع، وتنشأ طبقة من الكهان والحفظة والكتبة والفقهاء وحملة العلم، يحفظونه في الرءوس أو يدونونه في مجلدات؛ لذلك عرف الفكر القديم باسم الفكر الموسوعي. فالعالم هو الذي يحيط به، والجاهل هو الذي لا يعلمه.
وقد يكون السبب في ذلك أن الحضارة الإنسانية في بداياتها كانت أقرب إلى المعارف منها إلى المناهج؛ فقد كان يهمها تجميع المعارف بصرف النظر عن طريق الوصول إليها. وبتراكم المعارف تنشأ الحضارة البشرية، جيلا بعد جيل، وإضافة بعد إضافة. كانت العلاقة بين الإنسان والطبيعية آنذاك ينقصها التكيف المعرفي بالإضافة إلى التكيف المادي؛ وبالتالي نشأت الحاجة إلى المعارف، أية معارف لملء هذا الفراغ النظري بين الإنسان والطبيعة بصرف النظر عن مصدرها. وكان الغالب على هذه المصادر السحر والخرافة واستدعاء أرواح الموتى، والأساطير والحكمة الشعبية، وهي كلها مصادر للمعرفة لا يقين لها، الغاية منها التكيف المعرفي مع الطبيعة. ثم قام الأنبياء بعد ذلك بالدور نفسه كاشفين عن النبوة كمصدر للعلم، هم وحدهم المتصلون به، وعلى الآخرين أخذ المعارف دون المناهج. ثم تراكمت النبوات ودونت في كتب، من علمها أصبح عالما، وشرحها الشراح، وتراكمت الشروح، ومن علمها أيضا أصبح عالما. وهكذا في بدايات التاريخ البشري كانت للمعلومات والمعارف الأولوية المطلقة على المناهج وطرق الاستدلال.
1
ويشهد التاريخ أن الفلسفة تموت عندما يغيب المنهج، وتتحول الفلسفة إلى معارف موروثة يتراكم بعضها فوق بعض دون طريقة للوصول إليها. ماتت مرتين؛ مرة في العصر الوسيط الأوروبي عندما تحولت إلى موسوعات ودوائر للمعارف؛ ومرة لدينا في تراثنا القديم عندما تحولت أيضا إلى موسوعات ضخمة تضم كل المعارف والعلوم، ويقتصر دور الفيلسوف على التنسيق والربط بينها فتتراكم المعلومات، وتتعدد المصادر، وتحتضن الكنيسة كل ذلك وتنظمها بحيث تكون أكبر دفاع عن العقائد وأقوى دليل على صحتها. ولا يهم أن تنتقل من مصدر إلى مصدر أو أن تعتمد على فيلسوف ثم تغيره إلى فيلسوف آخر مناقض للأول؛ لذلك خرجت المسيحية أفلاطونية مرة لدى آباء الكنيسة ثم أرسطية مرة أخرى لدى توما الأكويني، وداروينية مرة ثالثة عند تيار دي شاردان؛ ومن ثم تحول الدين إلى حضارة، وأصبحت المعارف البشرية هي أساس الدين وفهم العقائد.