تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وقد ظهر دور العقل في تبرير المعطيات على أوضح ما يكون في تراثنا الفلسفي القديم عندما أصبحت وظيفته فهم الوحي خاصة عند أهل السنة الذين جعلوا النقل أساس العقل. بل إن المعتزلة أنفسهم الذين جعلوا العقل أساس النقل كانت مهمة العقل لديهم تأويل النقل حتى يصبح أكثر اتفاقا مع العقل دون نقده أو تأويله تأويلا جذريا بإرجاعه إلى التجارب الإنسانية التي هي أساس كل نص. لم يقم العقل بدوره في التحليل والنقد إلا في حدود التأويل حرصا على التنزيه، تأويل الصفات والرؤية دفاعا عن التوحيد، وتأويل الشفاعة والصراط والميزان والحوض دفاعا عن العدل، واعتبار ذلك صورا فنية تسمح بها اللغة العربية لإعطاء معاني العدالة والحكم. ولسوء الحظ لم يستمر خط الرازي في «نقد النبوات» وابن الرواندي في استعمال العقل على نحو نقدي، وتم استئصال هذه النماذج كلية من تراثنا القديم حتى غابت كلية من وعينا القومي ووجداننا المعاصر. كذلك قام الفلاسفة بالمهمة نفسها في التبرير فاقتصر دور العقل على فهم الدين بطريقة أكثر رقيا ترضي ذوق المثقفين والحكماء. فالجنة نعيم روحي، والنار عذاب معنوي، ولم يجرؤ أحد على الخروج عن هذا الإطار لوظيفة العقل باستثناء ابن رشد خاصة في شروحه على أرسطو والذي لاقى ما لاقى من صنوف القهر والاضطهاد. بل إن علماء أصول الفقه أيضا تقبلوا الوحي كحقيقة معطاة سلفا، وما دام المعطى المسبق قد أعطي كل شيء، وحمل الحقيقة الجاهزة إلينا فقد تحدد دور العقل في فهمها وتفسيرها وتذوقها. لقد أغنانا الله عن البحث النظري المجرد، وأعطانا الحقيقة لنوجه جهدنا كله إلى العمل وإلى تحقيقها كنظام شرعي في الأرض. يمكن للعقل الاجتهاد قياسا للفرع على الأصل دون إعمال العقل في الأصل إلا من أجل تنقيح المناط أو تخريج المناط أو تحقيق المناط دون النظر في تأسيس النص في العقل أو في الواقع. أما الصوفية فقد عادوا العقل كلية. وأصحاب الحكمة الإلهية أو حكمة الإشراق وظفوا العقل في إيجاد البرهنة على صدق الحدس القلبي كما هو الحال في الفلسفة المسيحية.

3

ولكن تحيا الفلسفة إذا ما قام العقل بوظيفته الأساسية في التحليل والنقد من أجل التغيير. وظيفة العقل بيان الاتساق الداخلي للموضوع أولا ثم بيان المسافة بين الواقع والمثال ثانيا، وبيان وضع المجتمع في حركة التاريخ ثالثا بين الخلف والأمام في معركة التخلف والتقدم. لقد قام العقل عند اليونان بهذا الدور عندما كان سقراط يناقش تلاميذه حول آلهة اليونان وحول تعاليم السوفسطائيين. كما ظهر العقل النقدي في حركات الهرطقة في عصر آباء الكنيسة عند مؤسسي الفرق الدينية الذين كشفوا بعض جوانب التناقض في العقائد السائدة والتي ما زالت في طور التشكيل مثل أريوس دفاعا عن التوحيد، وبلاجيوس دفاعا عن الحرية، ودوناتوس دفاعا عن الوطنية، ولكن ابتداء من عصر النهضة ظهر العقل الناقد في الثورة على القدماء ورفض المعتقدات الموروثة وتوجيه العقل نحو الطبيعة من أجل تخليص الذهن من الأحكام المسبقة والأوهام الشائعة. ولما ترك ديكارت الاستثناءات خارج النقد - وهي الكتب المقدسة والعقائد والأخلاق الشائعة - وطالب فيها باتباع «الأخلاق المؤقتة» جاء اسبينوزا مؤكدا دور العقل في النقد حتى يمكن تأسيس المجتمع بعد ذلك على أسس عقلية. وفي العصر نفسه نشأ النقد التاريخي للكتب المقدسة لإخضاع النص الديني لأحكام العقل رفضا للتناقض، وإبعادا للزيادة فيه، وبيانا للنقص والتحريف والتبديل والانتحال عليه. وقد قام فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر بدور النقد العقلي لمظاهر التخلف في الحياة الاجتماعية والسياسية فارتبط بالحس والمشاهدة والتجربة، ووقف ضد النظم الملكية والتسلطية، ودحض الخرافات والأساطير، وبين مآسي الحروب والتعصب الطائفي. كما قام الهيجليون الشبان بتحويل وظيفة العقل في التنوير عند هيجل إلى وظيفة النقد، وأسس شترنر وفيورباخ وشتراوس وباور «فلسفة النقد» الهيجلية وتحويل وظيفة العقل من تبرير الدين إلى نقد المجتمع. ثم دفع ماركس وظيفة النقد خطوة أبعد في نقد النقد، والانتقال من نقد المجتمع إلى تغيير المجتمع. ثم أتى ماركيوز أخيرا وجعل وظيفة العقل الأساسية الثورة والنفي والرفض، والانتقال من المثالية إلى النقد الاجتماعي، ومن العقل إلى النظرية السياسية.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ١٩