تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

| سادسا: الفلسفة والعقل

تموت الفلسفة إذا ما أصبحت مهمة العقل - وهو أداة الفلسفة الأولى - هي تبرير المعطيات سواء كانت دينية أو سياسية، والدفاع عنها دون أن يقوم بوظيفته الأولى في التحليل والفهم أولا ثم في نقد الواقع والأوضاع القائمة ثانيا، بل يقتصر على التبرير لما يفهم دون نقد أو تغيير ودون إحداث أي تأثير في الواقع، فالفهم والتغيير كلاهما من وظائف العقل. والاكتفاء بالأول دون الثاني يجعل من الفيلسوف متفرجا على الأحداث دون أن يكون مسيرا لها. فلا يكفي فهم العالم بل لا بد من تغييره أيضا. والحقيقة أن العقل قادر على فهم كل شيء وتبرير كل شيء، بل إن الفهم نفسه هو أحد أنواع التبرير. ومع ذلك لا يتم دور العقل الكلي إلا إذا واجه ما يستعصي على الفهم. وهنا يبدأ عمل العقل الفعلي في التحليل والنقد. ثم يتحول إلى رفض وثورة وغضب ويتحد بالوجود الإنساني كله. وفي التبرير لا تهم جهة المعطيات ونوعها. فسواء أتت من الوحي أو من المجتمع فالتبرير واحد في كلتا الحالتين. تبرير الوحي يكون تبريرا للعقائد التي هي في حقيقة الأمر نتاج التاريخ ومن وضع المجتمع ومن صياغة الفقهاء، تعبيرا عن روح العصر. وتبرير المجتمع يكون تبريرا للنظم السياسية والاجتماعية دفاعا عن الأوضاع القائمة، ويقوم به الموظفون الأيديولوجيون في كل نظام.

وقد نشأت هذه الوظيفة في الوعي الأوروبي بعد أن مارس العقل وظيفته الأولى في التحليل والنقد واكتشف ضعف المعطيات التي حللها، والتناقض الداخلي في الموروث القديم وعدم تطابقه مع الحس أو الواقع وتعارضه مع الصالح العام، ولكن خشي البعض إلقاء الطفل مع الماء بعد طقس العماد، وأرادوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه فقاموا باستئناف عمل العقل في العصر الوسيط، أي تبرير العقائد مع الاختلاف في مواد التبرير وفي درجة الإقناع. فإذا ند الموروث القديم عن العقل في العصر الوسيط فإنه الآن يعبر عن الاشتباه في الحياة الذي يعبر بدوره عن تناقض الوجود الإنساني. وإذا برر العقل الخطيئة الأولى بعجز الإنسان عن إنقاذ نفسه وضرورة المخلص فإنه يبررها اليوم بمظاهر الألم والبؤس والشقاء في الوجود الإنساني. وإذا برر القدماء نهاية العالم بفساد الكون فإن المحدثين يرونها بتقليص الطاقة وبتناقصها في الزمان.

1

ويشهد تاريخ الفكر البشري على موت الفلسفة إذا ما قام العقل بوظيفة التبرير وتخلى عن دوره في التحليل والنقد. فقد كانت الفلسفة في العصر الوسيط تستخدم العقل دفاعا عن العقيدة؛ ومن ثم خرجت فلسفات في الدين تقبل الخطيئة والخلاص والتجسد والفداء كحقائق مطلقة على العقل أن يفهمها ويبررها للناس. بل إنه لشرف كبير للعقل أن يفهم أسرار الإيمان دون أن يتعدى حدوده. فالإيمان يفوق العقل ويتحداه. الإيمان عقل أكبر. وإذا كان «أومن كي أعقل» يعطي الأولوية صراحة للإيمان على العقل فإن «أعقل كي أومن» لا يعطي العقل الأولوية المطلقة على الإيمان، ولا يجعل العقل يقوم بدوره في التحليل والنقد. بل إن أقصى ما توصلت إليه المسيحية الأرسطية كما مثلها توما الأكويني هو وضع ثلاثة مستويات: العقل الطبيعي القادر على الوصول إلى الله كما تصوره الفلاسفة، ثم الإيمان الذي يعطي وحدة الله كما يتصوره الدين أي السر الإلهي، وأخيرا عقل الإيمان القادر على فهم هذا السر بعد حدوثه في القلب بفعل الإيمان. وهذا التصور الثلاثي يرتكب في حقيقة الأمر خطأين؛ الأول اعتبار الله كما تصوره الفلاسفة غير الإله الذي أوحى به الدين؛ والثاني اعتبار أن العقل قاصر عن إدراك السر وأنه لا بد من حدوث السر أولا بالإيمان حتى يمكن لعقل الإيمان فهمه ثانيا. وذلك عود من جديد إلى «أومن كي أعقل». بل إن العصور الحديثة كلها والقرن السابع عشر خاصة الذي عرف باسم العقلانية كان العقل فيه مبررا للإيمان ولكن بصورة أفضل، وبذكاء أكبر، وبأسلوب أكثر إقناعا، وبمنهج أوضح مما كان العقل عليه في العصر الوسيط، بل إن «التأملات في الفلسفة الأولى» لديكارت مهداة إلى علماء أصول الدين الهدف منها البرهنة على صحة عقائد الإيمان، وقد سار كانط في التيار نفسه حين جعل «العقل النظري» قادرا فقط على إدراك الظواهر وعاجزا عن إدراك الحقائق وبواطن الأمور، بل إنه صاحب القول المأثور «كان لزاما علي هدم المعرفة لإفساح المجال للإيمان.» الجدل العقلي لديه جدل ووهم وخداع. ومثل العقل الثلاثة: الله والنفس والعالم تصورات قبلية لا برهان عليها. ولا يوجد برهان عقلي قبلي أو كوسمولوجي بعدي على وجود الله. فتغلب الإيمان على العقل، وأصبح العقل مبررا للإيمان. ويظهر التبرير بصورة واضحة عند هيجل حين تحولت المسيحية إلى فلسفة والتثليث إلى جدل، والله إلى تاريخ. بل تجاوز العقل تبرير الدين إلى تبرير الدولة القائمة، وتبرير كل ما هو موجود باعتبار أنه إحدى لحظات الفكر، فالعقلي هو الواقعي، والواقعي هو العقلي. فتغلب الفهم على النقد، والتفسير على التغيير، واستمر الحال كذلك حتى عند المعاصرين مع أن الرفض روح العصر، وهم التوماويون الجدد وعلى رأسهم جاك مارتيان، في معاداتهم روح العصر والدعوة إلى الرجوع إلى القدماء وإلى فلسفة توما الأكويني التي حوت كل شيء.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ١٨