7 (7)
هل نحن جيل التصنيع، نعيش عصر الصناعة، ومهمتنا تحويل مجتمعاتنا الزراعية إلى مجتمعات صناعية؟ فقد اقترنت دعوة العلم بدعوة أخرى للتصنيع أي لمنجزات العلم وآثاره. فالتصنيع هو القادر على تحديث المجتمعات والانتقال بها من عقلية الريف إلى عقلية الحضر، من حضارة الزراعة إلى حضارة الصناعة؛ وبالتالي ترك القدرية إلى الفعل الحر، والسكون إلى الحركة، والخلود إلى الزمان. فالمجتمع الصناعي يفرض قيمه، ويفرز ثقافته، وإن كل دعوات الإحياء والإصلاح والنهضة والعقل والتنوير والعلم لهي دعوات مثالية فوقية لا تحدث أي أثر في الواقع. وإن كان لهذه الدعوة ما يبررها حتى يتحول المجتمع من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي لزيادة الدخل القومي واكتساب عادات جديدة إلا أنها محددة الأفق تقوم على تقليد الغرب الصناعي، وما حدث في المجتمع الغربي في القرن الماضي. كما أنها تقوم على افتراض خاطئ في علم الاجتماع الغربي وهو أن قيم الريف أقل شأنا وتطورا من قيم الحضر، وأن التطور الطبيعي للمجتمعات ومسار تقدمها هو الانتقال من الأولى للثانية. فالقيم الزراعية لا تعبر بالضرورة عن التخلف. وهناك مجتمعات زراعية متقدمة مثل المجتمعات الصينية والمصرية القديمة ونهضة فيتنام والصين الحالية، وثورات الفلاحين في أمريكا اللاتينية. كما أن القيم الصناعية لا تعني التقدم بالضرورة. فبالإضافة إلى قيم الزمان والوقت والإيقاع والضبط والدقة والعمل والإنتاج والوفرة هناك أيضا قيم الآلة وضياع الإنسان وفقدان الترابط الاجتماعي والاستهلاك والاستغلال والاحتكار وكل مظاهر الفساد والرشوة والتهرب من الضرائب والمنافسة والقتل والاغتيال. كما أن تحول المجتمع من نمط الإنتاج الزراعي إلى نمط الإنتاج الصناعي لا يؤدي بالضرورة إلى تغير في نسق القيم، فقد يتم التصنيع بعقلية الزراعة، وقد تقام الزراعة بعقلية الصناعة. ومع ذلك وبعد محاولة التصنيع الأخيرة لمجتمعاتنا ضاعت منجزاتها ولم تستمر مكاسبها؛ فقد أخذ العمال حقوقهم دون نضال كاف، كهبة من الدولة، ودون وعي عمالي، ودون تصور للعمل الدقيق. كما تمت إدارة المصانع بالعقلية البيروقراطية وليس بعقلية التصنيع والاكتفاء الذاتي وسرعة المبادرة. وأحيانا يسوء الإنتاج نظرا لغياب قيم الصناعة مثل الدقة والضبط. إذ قامت الصناعة على القيم التقليدية والعادات الموروثة مثل الإهمال والتكاسل والتهرب والاحتيال والنهب والسلب وحرق المخازن وسرقة المواد الخام. ولما كان التصنيع قرارا من السلطة السياسية وليس تطورا طبيعيا للمجتمع سرعان ما ضاعت الصناعات الوطنية أو توقفت، عاد الاستيراد من المنتجات الأجنبية فتوقف التصنيع. إن جيلنا هو الجيل الممهد للصناعة الوطنية وذلك بتنمية روح الانتماء للوطن، وببث التصور العلمي للعالم، وبالوعي بالطبيعة والأرض والاستثمار، وبالعمل المنتج. فلا صناعة بدون شروطها في الوعي القومي.
8 (8)
هل نحن جيل التغير الاجتماعي، نعيش عصر التغيير الاجتماعي؛ وبالتالي يكون دورنا هو المساهمة في صياغة عمليات التغير وتحقيقها؟ وهي آخر الدعوات التي قام بها جيلنا والتي قام بتحقيقها بالفعل والمساهمة فيها. وقد سادت حياتنا في الثلث قرن الأخير لإحداث تغيرات هيكلية في مجتمعاتنا، وبث أفكار جديدة تعبر عن واقعنا وتحقق مصالح غالبية الأمة؛ لذلك يعتبر البعض منا نفسه جيل التحولات الاجتماعية وأحيانا جيل الثورة. ففي هذا الجيل تم القضاء على الملكية والاستعمار والفساد، كما تم تحقيق الاستقلال الوطني للبلاد ومناصرة جميع قضايا التحرر العربي والإفريقي والعالمي. وصدرت قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم لتحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية ووضع حد لنهاية الإقطاع ورأس المال، وتذويب الفوارق بين الطبقات. كما بعثت الروح القومية وتمت أول محاولات الوحدة العربية، وأنشئت حركات عدم الانحياز، وتم اكتشاف الدوائر الحضارية الجديدة للشعوب المستقلة مثل باندونج. كما تم تصنيع البلاد، وتحولت من الإنتاج الزراعي إلى الإنتاج الصناعي. وتأسس القطاع العام، وسيطر الشعب على وسائل الإنتاج. ومع ذلك فقد كانت المخاسر كبيرة. فقد حدثت تغيرات هيكلية في بناء المجتمعات دون أن توازيها تغيرات جوهرية في الأبنية الفوقية، أي المقولات والتصورات والمفاهيم والأبنية النفسية وأنساق القيم. فسرعان ما حدثت الانتكاسات والردة بغيات القيادة السياسية الثورية، وسيادة المفاهيم التقليدية التي تضرب بجذورها في التاريخ. ولقد تم استعمال هذه المحافظة التقليدية لتدعيم النظام الجديد وإيقاف التحولات الاجتماعية والهجوم على المعارضة السياسية التي تبغي مزيدا من التقدم ومزيدا من التأصيل. كان الفكر الحامل لهذه التغيرات الاجتماعية شعارات سطحية خطابية مجتثة الجذور عن ثقافة الشعب، وبينها وبين الواقع مسافة شاسعة جعلتها صعبة التصديق. كما غابت حرية الرأي والمعارضة، واصطدمت الشعارات الجديدة بالتيارات الأصيلة الدينية والعلمانية في المجتمع. وتشخصت الزعامة، وغابت المؤسسات، وتهرأت التنظيمات الشعبية. صحيح أن بعض الأفراد كان على مستوى الثورية ولكن الكوادر ونظم الدولة كانت محافظة مما أدى إلى نهاية التجربة بنهاية الأفراد. بل إن هذه المكتسبات الأولى قد ضاعت، فضاع الاستقلال الوطني للبلاد، ووقعت في التبعية، وتحالفت مع القوى الاستعمارية، وقام الحكام بدور الملوك والأباطرة الجدد، واستشرى الفساد في الحزب الحاكم دون معارضة أو نقد، وزادت الفروق بين الطبقات، واحتجبت مصر عن الوطن العربي، وتقطعت أوصاله، وانتهى التصنيع، وبدأ الاستيراد. كان يمكن لجيلنا أن يكون جيل التحولات الاجتماعية لولا عزلته وعدم مشاركته وحسرته وألمه وأحزانه وضياعه وبكاؤه على الماضي وضياع حريته.