9 (9)
هل نحن جيل الثورة الشاملة، نعيش عصر الثورة، ومهمتنا ممارسة الثورة نظرا وعملا، فكرا وتنظيما؟ لا تعني الثورة هنا مجرد تغيير الهياكل الاجتماعية والأنظمة السياسية علنا أو سرا. فقد تم ذلك في الدعوة السابقة دون أن تحدث ثورة، ولكن هذه الدعوة تعني الثورة الشاملة التي تضم إنجازات الإحياء والإصلاح والنهضة والعقلانية والتنوير والعلم والتصنيع والتغير الاجتماعي. تبدأ بتنوير المفاهيم والتصورات والقوالب الذهنية والأبنية النفسية، أي إحداث ثورة في الأذهان وفي العقول وفي النفوس وفي المشاعر، ثورة في الحياة اليومية وفي أساليب السلوك. فالثورة ليست منجزاتها بل مقدماتها، وليست نتائجها بل شروطها. ليست الثورة الفرنسية هي اقتحام الجماهير سجن الباستيل في 14 يوليو 1789م، بل إعداد الوعي القومي لذلك بفضل جهود مفكري الثورة الفرنسية وفلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر. فلا شيء يتغير في الواقع ما لم يتغير في الوعي أولا. لا شأن لهذه الثورة الشاملة بتغيير النظم السياسية القائمة. ولا تقوم على استعمال العنف بل تعتمد على إعمال العقل، وتحليل الواقع، والتعبير عن الرأي، ومقارنة الحجة بالحجة، ومقابلة البرهان بالبرهان. وهو الطريق الذي سلكه الأنبياء في محاجة أقوامهم. فالثورة الشاملة هي ثورة الأنبياء، يقوم بها علماء الأمة، فالعلماء ورثة الأنبياء. وتمتاز هذه الثورة بأنها الأبقى والأدوم، والأرسخ والأعمق، والآمن والأسلم دون ردة أو نكوص، ودون تغيرات على السطح، ودون مخاطر ومخاسر. يستمر فيها تاريخ البلاد، وترث حركات التجديد، وتتسم بالأصالة، وتربط الماضي بالحاضر فلا يحدث انقطاع أو تغريب. تبدأ بالجذور، في الأذهان قبل الأعيان. فالوقائع هي تصورات متحققة، والتصورات وقائع ممكنة. تجري حوارا شاملا بين كل الآراء والاتجاهات، وتحقق الوحدة الوطنية دون أن تكفر أو أن تخون أحدا. لا شأن لها بتنظيم الحكم ولا تقوم إلا على النصيحة والرأي، والتعبير الصادق عنه، ودون عنف، ودون استعمال للقوة. ليست موجهة ضد أحد بل تهدف إلى دفع حركة التاريخ إلى الأمام. فقد أثرت أفكار دون سلطة ولم تؤثر سلطة دون أفكار. ترعى مصالح الأمة، وتحقق مطالب الأغلبية الصامتة. تهدف إلى التغيير والإصلاح وتحقيق التقدم وتنحو إلى ما هو أفضل على طريق النبوة وبهدى الوحي. ولا يعاب عليها أنها مثالية، تبدأ بالفكر، فهذه المثالية لدى شعوبنا هي الواقعية، وحصيلة التجارب الطويلة لأجيالنا المتلاحقة. لا تنقل مراحل الغرب بل تشخص مهام أجيالنا. وتحدد مهمة جيلنا بتحليل مباشر للواقع وبوصف لمكاسب الأجيال ومخاسرها. ليست تصورا آليا للتطور لأنه يمكن القيام بهذه المهام كلها في آن واحد مع تغلب مرحلة على مرحلة طبقا لروح العصر. ولا خوف من هز العادات والتقاليد في النفوس، فالهدف هو رعاية مصالح الأمة، والأبنية الفوقية ذاتها إنما هي تراكم طويل لخبرات السنين يؤولها كل جيل من أجل تحقيق هذه المصالح. تلك مهمة جيلنا التي يمكن من خلالها القضاء على الحيرة في الحاضر حتى يمكن كشفه والإعداد للمستقبل.
10
| خامسا: حساب الماضي، وأزمة الحاضر، وهموم المستقبل في الوعي الأوروبي
وفي الوقت نفسه الذي يحاول فيه جيلنا تحديد مهمته ومرحلته التاريخية المحددة وذلك لاستئناف النهضة الحديثة بالرغم مما اعتراها من عثرات، فإن الوعي الأوروبي اليوم ومنذ جيل أو جيلين يحاول أيضا نفس الشيء أي تحديد مهمته الحالية، وعمل كشف حساب للماضي ولتشخيص أزمته الحاضرة، والتعبير عن هموم المستقبل. وكما كان لديه إحساس بالبداية الثانية إبان عصور الإحياء والإصلاح والنهضة لديه هو الآن إحساس بالنهاية لهذه البداية كما كان لدى ابن خلدون بالنسبة لنهضتنا الإسلامية الأولى. والوعي الحضاري عندما يبدأ يؤرخ لنفسه يكون ذلك مؤشرا لبداية النهاية كما كان الحال عند أرسطو مؤرخا وعند ابن خلدون مؤرخا وعند نيتشه، وشيلر، وهوسرل، وبرجسون، واشبنجلر، وتوينبي مؤرخين للوعي الأوروبي ومعلنين نهايته و«أفول الغرب». إذ يكاد يجمع فلاسفة الغرب في هذا العصر على أن الوعي الأوروبي قد شارف على نهايته بعد أن بدأ في عصر النهضة وتحدد مساره من البداية إلى النهاية. فإذا كانت نقطة البداية في الكوجيتو عند ديكارت، تكون نقطة النهاية في الكوجيتو عند هوسرل، أو الزمان عند برجسون، أو الشخص عند شيلر ومونييه، أو الوجود الإنساني عند الفلاسفة الوجوديين، أو الحياة عند فلاسفة الحياة، أو الفعل عند بلوندل، أو الإرادة عند نيتشه أو العمل عند ديوي وجيمس.