تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 (5)

هل نحن جيل التنوير، نعيش عصر التنوير، ونقوم بدور التنوير؟ والتنوير هو العمل الشامل للعقل، وامتداده في شتى نواحي الحياة، وأثر من آثار العقل، وأحد نتائجه، وتطبيق لمبادئه، وتوسيع لدائرة نشاطه، وتحقيق لمنجزاته. وقد كانت الدعوة إلى التنوير مواكبة للدعوة إلى العقل وأحد مظاهرها. وقد اشتدت بعد الهزائم العربية الأخيرة، وكثر الداعون لها بل ونشأت حركة تنوير فعلية عامة تضم كافة الاتجاهات الفكرية والوطنية في تاريخنا الحديث. وبالرغم من أهمية الدعوة وجدواها، والخروج بالعقل من المنهجية العلمية إلى الحياة العامة إلا أنها محدودة الأثر، مغلقة الحدود، تتمثلها مجموعة من الأفراد، وليست تيارا حضاريا عاما يعبر عن روح العصر أو حركة جماهيرية شعبية تحدد مسار التاريخ. هي رد فعل على هزائم العصر أكثر منها فعلا إراديا فرديا وجماعيا خاصة بعد هزيمة أيديولوجيات التقدم؛ الماركسية والناصرية والقومية التي سادت جيلنا وإحساسها بنقصها في عدم العقل والحرية. هي دعوة مجتثة الجذور عن الجماهير خاصة وأن كثيرا من دوائرها تتركز خارج العالم العربي في الغرب، حيث يسهل الدعوة إلى التنوير في العالم الثالث. ففي الغرب تكون الحرية وتتمركز جماعات الحرية حتى لقد اتهمت بتأييد الغرب لها إذ رآها الغرب بديلا وحليفا. هذا بالإضافة إلى غياب برامج مفصلة. ماذا يعني التنوير في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وكأنها مجرد دعوة ثقافية إصلاحية عامة؟ لم تتأصل الدعوة في تراثنا الاعتزالي الذي كان يقوم بمهمة التنوير في مواجهة الأشعرية التقليدية المحافظة. ومع ذلك فالدعوة إلى التنوير الشامل وإطلاق العقل من عقاله وتسليط نوره على النظم السياسية والاجتماعية والعادات والعرف والتقاليد والعقائد الموروثة، مرحلة تاريخية يمر بها كل مجتمع يتجه من التقليد إلى التحرر؛ فهي تجعل العقل والبرهان معيار الصدق، وتواجه الرأي بالرأي، ولا تواجه الرأي بالسيف، والفكرة بالمقصلة، والدليل بالاعتقال، والبرهان بالتعذيب. تحترم الآراء الأخرى، وتدافع عن حريات الآخرين. فحرية الفكر قيمة في ذاتها، أحد حقوق الإنسان. لا بد من تحول التنوير إلى نظرة إلى الحياة اليومية، ونظرة تقدمية إلى الأوضاع الاجتماعية حتى يتحول بعد ذلك إلى ثورة فعلية. ومع ذلك ضاعت منجزات التنوير النسبية، ووقع جيلنا في التعتيم والإظلام، فلا يحتكم إلى العقل، وتسيطر على حياته الإرادة المشخصة للحكام أو العرف والعادات والتقاليد. وتظهر المحافظة التقليدية كوريث وحيد للتاريخ. وقد تجاوز جيلنا التنوير كحركة ثقافية إلى التنوير كحركة اجتماعية نقدية تمهد للثورة وترسي قواعدها، وتهيئ ظروفها، وتضع شروطها. فالتنوير في هذه الحالة يكون وعيا اجتماعيا لحركة التاريخ.

6 (6)

هل نحن جيل العلم، يعيش عصر العلم، ويقوم بدور العلم؟ كانت الدعوة إلى العلم مثل الدعوة إلى العقل والتنوير قاسما مشتركا بين الاتجاهات الرئيسية الثلاثة في حياتنا المعاصرة. وكان العلم هو العلم الطبيعي الذي قدم إنجازات رائعة في الغرب في اكتشافه قوانين الطبيعة والسيطرة عليها والتنبؤ بحوادثها. كان العلم في الإصلاح الديني نسقا للعقل، وتصورا للطبيعة، وتحكما في قوانينها وتسخيرها لصالح الإنسان. وكان في التيار العلماني العلم الطبيعي المادي خاصة علوم الحياة ونظرية النشوء والارتقاء. وكان في الفكر الوطني القومي العلم الاجتماعي الذي يدرس الحياة الاجتماعية والسياسية. ومنذ أكثر من أربعة أجيال، منذ رؤية علماء الأزهر للتجارب العلمية التي أجراها علماء الثورة الفرنسية في حملة نابليون على مصر، والدعوة ما زالت قائمة، ولم تتحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات علمية، ولم يحدث لدينا أي تصور علمي للعالم باستثناء لحظات فريدة في تاريخنا مثل حرب أكتوبر، ودفعا لعار الهزيمة. وما زالت الدعوة مجتثة الجذور لا صلة لها بتصور العلم في تراثنا القديم وتعبيره عن التوحيد كشرط لحصول تصور علمي للطبيعة. هي دعوة مقلدة للغرب بعد انتصارات العلم الطبيعي في القرن الماضي ودون معرفة بأزمة العلم في هذا القرن. كما أنها تخلط بين العلم كقانون طبيعي أو كاكتشاف علمي وبين التصور العلمي للعالم واستعماله المنهج العلمي، فقد يحدث تطبيق لمنجزات العلم في مجتمع تسوده الخرافة ولا يتحول المجتمع بذلك من مجتمع خرافي إلى مجتمع علمي. بل إنه قد ينظر إلى العلم على أنه خرافة أو سحر قادر على فعل المعجزات. والعلم لا ينشأ في فراغ بل هو حركة نضال طويل محفوف بالمخاطر ضد السلطة؛ سلطة رجال الدين وسلطة العقائد الموروثة بل والسلطة السياسية في نظم التسلط والطغيان. وغالبا ما يقوم بهذه الدعوة العلمانيون المسيحيون حيث يصعب عليهم الدعوة إلى الإصلاح الديني، ويسهل عليهم الاقتباس من الغرب المسيحي الذي ينتمون إليه بالولاء، مما جعل الدعوة محدودة الأثر، تصطدم بتراث الأمة، وتهددها بنزع هويتها واستلابها لصالح الغرب. ومع ذلك لم تستمر هذه الدعوة طويلا. فسرعان ما اقترن بها الإيمان في جيلنا؛ وبالتالي الوقوع في ازدواجية المعرفة: «العلم والإيمان». والإيمان أصيل والعلم أجنبي مما يجعل الدعوة إلى الأصالة تشجب العلم وتنفر منه. فقل الجانب العلمي في حياتنا، وازداد الجانب الإيماني. وتصورنا العلم مفتاحا سحريا نهزم به الأعداء، ونعمر به الصحراء، ونحل به المشاكل المستعصية. وأصبح غياب العلم شماعة نعلق عليها جميع الأخطاء. ثم تحول العلم إلى أسطورة خاصة بإنجازاته في التكنولوجيا الحديثة في مجتمع لم يتم فيه بعد القضاء على الأساطير حتى أصبح شعار «العلم والتكنولوجيا» أضحوكة يتندر بها الناس. إن مهمة جيلنا هو الإعداد للعلم والتمهيد له وذلك بإحكام عمل العقل وتوجيهه نحو الطبيعة واكتشاف الصلة الضرورية بين العلة والمعلول، وتصوير عالم يحكمه القانون.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ١٥٠