3 (3)
هل نحن جيل النهضة، نعيش عصر النهضة، ونقوم بدور النهضة؟ لقد ظهر هذا المفهوم في حياتنا منذ رفاعة رافع الطهطاوي وتأسيسه لحركة النهضة الحديثة وبناء الدولة العصرية كما وضح ذلك في «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية». وقد استطاعت النهضة ولا شك إرساء قواعد الإصلاح الشامل في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون. كما استطاعت أن تبني الدولة الحديثة صناعة وزراعة وتجارة، وأن تكون لها الكادر الفني المؤهل لها، وأن تستمر هذه الدولة حتى جيلنا. كما قامت على الولاء الوطني وإذكاء الروح الوطنية وتربية المواطنين على أن «حب الوطن من الإيمان»، لا فرق في ذلك بين البنين والبنات. كما قامت على الحرية والعدل والمساواة وانتشار هذه الأفكار مما سبب قيام حركة تنوير حديثة. ومع ذلك ظلت هذه الحركة نسبية في حياتنا دون أن تحدث أثرا فعالا مستمرا. ظلت في نطاق المثقفين، ولم تتحول إلى حركة جماهيرية عامة، وظلت قاصرة على أيديولوجية الصفوة. ظلت في إطار الدولة القائمة التي استفادت منها ولكنها سرعان ما انقلبت عليها دفاعا عن الحاكم الذي استبد. ظلت أشعرية في تصورها للعالم، ولم تستطع تأصيل نهضتها من خلال التنوير القديم الذي مثله الاعتزال، وكانت في كثير من الأحيان وعلى ما يبدو أثرا من آثار الغرب بوجه عام والثورة الفرنسية بوجه خاص؛ لذلك سرعان ما انتهت من حياتنا، وخبت من وجداننا القومي، حتى إن إيجابياتها ومكتسباتها وإنجازاتها قد تحولت إلى نقائضها. فقد تحولت النخبة المثقفة إما إلى طبقة حاكمة تركت الثقافة إلى الحكم، وتحولت إلى طبقة من الفنيين أو إلى مجموعات منعزلة لا أثر لها في الحكم، تعيش من الثقافة على هامش الدولة. ونادرا ما وجد المثقف المؤثر الذي سرعان ما يصطدم بالنظام وينتهي إما بالاستشهاد أو الهجرة إلى الداخل أو الهجرة إلى الخارج. انتهت النهضة الشاملة، وحدث انفصام بين التحديث والنهضة، وكلما زاد التحديث الخارجي قويت المحافظة الداخلية نظرا للجذور التقليدية التي تكمن وراء النهضة. كما انتهت الدولة الحديثة وتحولت إلى دولة تقوم على حكم الفرد، وحكومة العسكر، سوقا للأسواق العالمية، ومنحازة للغرب، تستجدي السلاح بعد أن كانت تصنعه، وتستورد التحديث بعد أن كانت من رواده. كما ضاع الولاء للوطن وحل محله الولاء للأجنبي. وانتهت مثل الحرية والعدالة والمساواة، وانقلبت إلى نقائضها مثل التسلط والظلم والتفاوت الطبقي. وظلت النهضة حاليا مجرد أمل يحدو البعض، وكلمة ترددها الألسن، وأصبح أقصى آمالنا أن نلحق بنهضة الأجيال السابقة مع أن واقعنا قد تجاوزها بمراحل بعد ضياع الأرض والثروات ويأس الجماهير وخوفها وضياع كرامة الفرد وإنسانيته.
4 (4)
هل نحن جيل العقلانية، نعيش عصر العقلانية، ونقوم بدور العقلانية؟ تتمثل الدعوة العقلانية في كل التيارات الفكرية الحديثة في حياتنا المعاصرة. فهي القاسم المشترك بين الإصلاح الديني والفكر العلماني والتيار الليبرالي. أحيانا يكون العقل مرتبطا بالدين، وتكون العقلانية فهما مستنيرا للدين، وتكون فيه الأولوية للعقل على النقل. وقد يضم العقل إلى الوجدان فيكون مثالية وجدانية مثل «الجوانية» تطويرا للإيمان الديني. وقد يرتبط العقل بالحس والمشاهدة والاستدلال والاستنباط والاستقراء والبحث عن العلل، فهو أساس التفكير العلمي. وقد يتوجه نحو التجربة الإنسانية فيكون دعوة إلى التأمل والتفكير وتحليل التجارب البشرية لمعرفة ماهياتها والواقع من خلالها. وما زالت الدعوة قائمة فينا حتى اليوم لإقامة مجتمع عقلاني، وتأسيس حياتنا العامة على العقلانية. وبالرغم من صحة الدعوة وصدقها على مستوى النظر إلا أنها أصبحت شماعة سهلة لتعليق كل أخطاء العصر على غيابها، ومفتاحا سحريا يحل كل أزمات العصر حتى تحولت إلى مجرد كلمة تتناقلها الألسن، وتتراشق بها الأفواه. دخلت في أجهزة الإعلام، وتحولت إلى شعارات فلسفية واجتماعية، ومقالات صحفية حتى فقدت أي أثر لها، وتحولت إلى تجارة ودعاية مثل كل الدعوات الحديثة. كما أنها اقتصرت على التوجيه العام دون أن تتحول إلى برامج تفصيلية وتخطيط لمظاهر الحياة العامة على أساس عقلاني. فماذا يعني الاقتصاد العقلاني؟ والسياسة العقلانية؟ والاجتماع العقلاني؟ والقانون العقلاني؟ والفن العقلاني؟ ولم تخل الدعوة من بعض تقليد للغرب دون أن تكون تأصيلا لعقلانية التراث وتطويرا لها. والعقلانية في نهاية الأمر ابتسار للنهضة لأن العقلانية أحد مظاهر النهضة، والنهضة أوسع منها وأشمل، ولا يمكن رد الكل إلى الجزء. ومع ذلك فقد ضاعت منا مآثر العقلانية ومنجزاتها في حياتنا الفكرية والسياسية. وتحولنا إلى الإشراقية والإلهامية والكشفية والمعارف اللدنية. وتحولنا من عقلاء إلى دراويش، ومن علماء إلى أولياء، ومن طلاب وأساتذة إلى مريدين ومشايح. وما زالت الدعوة قائمة تتكرر كل يوم ولا تؤدي إلى شيء. والعقل المبتسر من الواقع الحسي والنقد الاجتماعي والتغيير الفعلي والثورة الشعبية فإنه عقل فارغ صوري يؤدي إلى الهروب أكثر مما يؤدي إلى الاقتحام. إن مهمة جيلنا قد تجاوزت الدعوة إلى العقل والعقلانية نظرا لضرورة توجيه العقل إلى الماضي في نقد الموروث وإلى الحاضر في نقد المجتمع وإلى المستقبل في الإعداد للثورة.