وكان مصير الثورة العربية في تونس وسوريا والعراق وليبيا واليمن ليس بأفضل حال من مصيرها في مصر. منذ اندلعت الثورة في تونس بدأ التذبذب في الحكم بين العلمانيين والإسلاميين. ولما لم يختف العنف تماما راجع الإسلاميون المعتدلون في حزب النهضة أنفسهم وتجربتهم السياسية، وقرروا عدم العمل السياسي لفترة قادمة، والاكتفاء بالعمل الاجتماعي والتربوي. وما زال الجمع في حكومة واحدة بين الإسلاميين واليسار يتأرجح؛ فالماضي ما زال حاضرا في الأذهان. وفي سوريا بدأت الثورة سلمية، ولما بدأ النظام مقاومتها بالسلاح وليس بالحوار، اضطر الثوار إلى استعمال السلاح حتى تطورت إلى حرب أهلية، تدخلت فيها روسيا وإيران وحزب الله بجانب النظام. ولم تجد الثورة من يقف بجانبها إلا الشقيقة السعودية إلى حين وأحيانا تركيا، ووقفت مصر، كعبة العرب، بجوار النظام السوري، وتمت التضحية بالشعب السوري في سبيل السلطة، قتل نصفه أطفالا ونساء وشيوخا ورجالا، وهاجر النصف الآخر، ومن بقي ينتظر مصيره المحتوم، ويبكي على سوريا الوطن الحبيب. والعراق منذ الغزو الأمريكي وهو يصارع من أجل البقاء؛ فقد بدأت الطوائف، سنة وشيعة، والأعراق، أكراد وأرمن وتركمان في الصراع على السلطة المركزية في بغداد أو في تشكيل دويلات مستقلة طائفية وعرقية، مستقلة تماما في إطار السلطة المركزية في بغداد. وما زال الصراع دائرا حتى الآن. وفي ليبيا بعد انتصار الثورة انقسمت القبائل فيما بينها تطالب بالاستقلال أو بالعودة إلى الملكية أيام السنوسي قبل الوحدة، ودخلت في حرب أهلية لم تنته حتى الآن. وبعد أن نجحت ثورة اليمن، انقلب فريق من الثوار وهم الحوثيون على الثورة من أجل تولي السلطة في صنعاء، وانضم إليهم الرئيس السابق ناسيا جهاده من أجل توحيد اليمن بين الشمال والجنوب. وكون الفريقان ثورة مضادة. واحتلت صنعاء. وما زالت الحرب دائرة بين الوطنيين من جهة والحوثيين وصالح من جهة أخرى، ثم قتل بعد أن رقص على كل الحبال حفاظا على الكرسي. وضاع الشعب اليمني بينهما قتلا وذبحا وتنكيلا. وأصبح العالم كله يشهد جريمة قتل وتجويع ومرض ملايين الأطفال باسم الإسلام! وتصارعت أمريكا وإيران على باب المندب الذي جعله عبد الناصر بحيرة عربية؛ من الشمال قناة السويس، ومن الجنوب اليمن، ومن الشرق السعودية، ومن الغرب مصر.
وقد تنازلت مصر عن سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير اللتين حارب من أجلهما عبد الناصر في 1967م، ثم تنازلت عن ألف كيلو متر مربع للسعودية لبناء مدينة «نيوم» في ملتقى مصر والسعودية والأردن وإسرائيل مثل إيلات، وهي مدينة أم الرشراش المصرية التي احتلتها إسرائيل في 1948م، مصر بالأرض، والسعودية برأس المال، وإسرائيل بالتكنولوجيا والأردن بالسكان لتخفيف الضغط على غزة المحاصرة برا وبحرا، شرقا وشمالا إلا مصر جنوبا؛ فإليها الهجرة وتوطين الفلسطينيين، وحل القضية الفلسطينية في صفقة القرن. ويصبح الشرق الأوسط الكبير أو الجديد إقليما واحدا وسط إسرائيل التي يتودد الكل إليها وتؤازره أمريكا حليف المنطقة، فتبتلع إسرائيل المنطقة كلها، تربة وأرضا وسكانا وعقولا، وتكسب الحروب السابقة كلها بلا حروب قادمة.
وأخيرا عقد اتفاق بين مصر وإسرائيل على أن تشتري مصر الغاز من إسرائيل بخمسة عشر مليار دولارا، ومصر تعيش وسط بحيرة غاز، من السعودية والخليج شرقا، وليبيا غربا، وحقل «ظهر» شمالا. ومصر تدين ملياراتها للاستثمار، وهو ما فعله صديق الرئيس المخلوع عندما كان يصدر الغاز إلى إسرائيل بالمليارات، والحجة تصنيع الغاز، فتصبح إسرائيل مسيطرة على مداخل البحر الأحمر من الشمال في خليجي السويس، وأمريكا وإسرائيل على باب المندب، ويتحول البحر الأحمر من بحيرة عربية إلى بحيرة إسرائيلية. والآن يتم التخطيط لشق قناة بين البحر الميت والبحر الأحمر لضرب قناة السويس في مقتل التي من أجلها أضاعت مصر استقلالها وحفرتها بسواعد فلاحيها، وتم العدوان عليها في 1956م بعد تأميمها.