ورأيت فيما يرى النائم أنني دعيت للقاء الرئيس في معرض الكتاب وتسليم الجوائز، جائزة النيل، ومناقشته كما يفعل الرؤساء السابقون كل عام في عيد العلم. وغلب على تنظيم المعرض الجانب الأمني، وليس الجانب العلمي الثقافي. ووضعت الكراسي بالمئات بالقطيفة الحمراء وهي مكسوة بالأبيض وفارغة من أي زائر. وفات الموعد، والناس في الانتظار في الصفوف الخلفية يأكلون ما قدم لهم من طعام، ملء فراغ أو رشوة، فسرت بين الطرقات، وأنا أصيح: من ينتظر من؟ الرئيس في الاستقبال والمثقفون هم المستقبلون؟ وإلى الآن لم يظهر الرئيس! وهذه إهانة للمثقفين المدعوين، فجاء رجال الأمن، بعد أن قالوا لي كفاية يا أستاذ، ليستجوبوني: هل أنت إخواني؟ هل لك صلة بالإخوان؟ هل أحد الأصدقاء من الإخوان؟ وكأن أحدا لا يعترض على شيء إلا إذا كان من الإخوان! ولم يحضر الرئيس . وفي الحلم، رأيت أنهم أدخلوني في حافلة داخل سرداب طويل حتى جاءت استراحة لتناول المشروبات، وجاء من يعلن أن الرئيس مشغول اليوم! يبدو أن الأمن أخبره بشيء جعله يغير رأيه. وبعد ذلك بأيام عرض التلفزيون مقابلة قديمة مع بعض المثقفين، وكأنها حدثت في معرض الكتاب!
وبعد عام بدأت الرئة الأخرى التي يتنفس منها الشعب في الضيق؛ فقد غلت الأسعار إلى الضعف أو ثلاثة أضعاف في كل المواد خاصة المواد الغذائية التي منها يقتات الشعب مثل الفول والعدس، وزادت أسعار الخضار المجمد والطازج، وارتفعت أسعار اللحوم والأسماك والدواجن بحجة ارتفاع سعر الدولار حتى الفجل والجرجير والكراث والخيار والطماطم، وتعويم الجنيه. وبدأ النقد علنا، يخرج من القلوب إلى الأفواه، يد تعتقل في الداخل، ويد ممدودة للخارج. يد تسرق في الداخل، ويد فاسدة تهرب المليارات إلى الخارج. لا فرق بين رجال الأعمال ورجال الأمن ورجال السلطة. والأخطر من ذلك كله التفريط في أرض الوطن، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير. وأصدرت محاكم بكافة درجاتها أحكاما بإبطال العقد، عقد البيع، ثم صدر حكم أخير للمحكمة الدستورية العليا بإبطال كل الأحكام القضائية السابقة، وأن ذلك من حكم السيادة!
إن الحطب جاف، فأين الشرارة؟ تلمع بين الحين والحين ثم تنطفئ، وآخرها هتف الشعب في استاد القاهرة بعد القبض على بعض المواطنين «حرية، حرية، حرية». وتصفيق الحاضرين في مدرج بعد أن سأل أستاذ في مناقشة رسالة الطالب عن حال التمدن والمدنية، وهو موضوع الرسالة الآن، فأجاب الطالب بالكتب في الموضوع. وطلب الأستاذ، ليس الكتب بل ما يشعر به الناس، سائق سيارة الأجرة، بائع الخضار، المواطن العادي؟ فلم يعرف الطالب المقصود لأنه تعود على العلم في كتاب. فساعده الأستاذ: ألا تشعر بأنك إذا وضعت أذنك على قلبك وجدت أنه ينبض بالفقر والاستبداد؟ فضجت القاعة بالتصفيق. ويظل السؤال قائما: متى ينتهي السقوط، ومتى يبدأ الارتفاع من جديد؟ خاصة وأنا أنتمي لجيل بدأ حياته بالارتفاع بحركة التحرر الوطني في الخمسينيات وينهي حياته الآن بالقهر السياسي، لا اليد تكتب، ولا اللسان يتحدث ، ولكن القلب ما زال ينبض.
وأحس الشعب بالإحباط كما أحس بعد ثورة 1919م عندما استولى عليها القصر والإقطاعيون والباشوات، واحتاجت إلى ثورة جديدة؛ ثورة الضباط الأحرار في 1952م. لم يعرف أحد تموجات الثورة متى ترتفع ومتى تنخفض، والكل يعرف أن ثورة الجياع قادمة، وما ثورة الغلابة في 11 / 11 / 2016م إلا بروفة، كيف تستطيع ثورة الآلاف أن تجند نصف مليون جندي وشرطي وأمن مركزي؟
والأخطر من ذلك كله الإحساس بالإحباط واليأس، وترك السياسة كلية والبحث عن لقمة العيش، ويساعد الإعلام على إيجاد البديل لهم؛ فهل يستطيع الإرهاب أو الإخوان أن يكون عدوا بديلا عن إسرائيل؟ احتار الناس من العدو ومن الصديق؟ هل العدو فيما بيننا والصديق خارجا عنا أم إن العدو على الحدود والصديق داخل الحدود أم إن العدو خارجنا والصديق داخلنا؟ فلا فرق بين بدو سيناء وفلاحي الوادي، بين الجيش والشعب، بين الشرطة والخارجين على القانون؛ فكلهم مصريون.