تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ونشأ الجدل: هل ما حدث ثورة أم انقلاب؟ وبعد أربع سنوات وتكشف السياسات التي اتبعت منذ 2014م يعود السؤال مرة أخرى: هل ما حدث انقلاب أم ثورة مضادة؟ فكما كانت هناك أخونة الدولة من الإخوان كما كانت تفعل كل الأحزاب، أصبح هناك عسكرة للدولة من الجيش؛ فهو الذي يقوم بحل كل الأزمات: المواد الغذائية، رصف الطرق، بناء المساكن الاجتماعية، إقامة المزارع السمكية. ويقف الضابط في حفل الافتتاح ويضرب كعبي الحذاء، ويرفع يده إلى الرأس ليحيي الرئيس معرفا بنفسه «العقيد فلان قائد خط الجمبري»، بالإضافة إلى الأمن القومي. وأضيف إليه القبض على المعتقلين مثل زوار الفجر. وأصبح الجيش أكبر شركة استثمارية في البلاد، وبدأ يقابل العنف بالعنف في سيناء. وسألت دماء المصريين من الطرفين، مع أن إسرائيل احتلت سيناء ست سنوات ولم نسمع عن قتال بين بدو سيناء وجيش إسرائيل، بل استطاعت إسرائيل كسب قلوب السيناويين بأداء الخدمات: المستشفيات والمدارس والأندية، وتوفير المواد الغذائية اللازمة والتي تنقص الوادي؛ فهم مواطنون إسرائيليون وليسوا مواطنين مصريين. والمواطنة حيث المصلحة، والمصلحة حيث المنفعة.

وارتفعت الأسعار إلى أكثر من الضعف وأحيانا الأربعة أضعاف بلا مبرر معقول، كما زادت فواتير الكهرباء والغاز، وتذاكر المواصلات، والمترو قادم. وزادت نسبة الفساد ابتداء من الوزراء وكبار المسئولين بالملايين حتى صغار الموظفين بالجنيهات. وأصبح الفقير غير قادر على أن يعيش حتى بالفول والطعمية. وبدأ التجار يخبئون السكر الذي به حياة المصريين ليبيعوه بسعر أعلى، والشعب يخطفه من على الشاحنات. ومن ناحية أخرى يكسب كبار التجار بالتعاون مع رجال التفتيش، يرفعون الأسعار، ويكسبون الملايين. أما الوزراء وكبار رجال الأعمال فيكسبون بالمليارات بطرق غير شرعية. وتم سفر الفقراء على مراكب بحرية فيغرقون، ويزداد عدد المعتقلين بالآلاف. وكان كل شيء لا يحل إلا بالجيش. وبدأ البحث عن التمويل شرقا وغربا من الأشقاء العرب والبنك الدولي. وتركت المليارات تنهب في الداخل، مع أنه يساوي الاقتراض من الخارج عشرات المرات، ولكن رجال الأعمال مثل رجال الأمن هم سدنة النظام. والاستقواء في الداخل تعويض عن الضعف في الخارج. والوطن العربي تسيل دماؤه ومصر لا تتحرك، وهي المناطق التي امتدت إليها الناصرية، سوريا والعراق شمالا، وليبيا غربا، واليمن جنوبا. وتعقد المؤتمرات من أجل تحقيق السلام في سوريا شقيقة مصر التي حملت عربة عبد الناصر على الأكتاف عندما زارها، دون دعوة مصر، وكأن سوريا أقرب إلى روسيا وأمريكا وإيران وتركيا من مصر، وهي القوى التي تتحكم في مصير سوريا على الأرض، بل إن مصر تؤيد «الأسد إلى الأبد» دون الشعب السوري الذي ثار ضد نظام الاستبداد والظلم بدعوى الخوف على وحدة سوريا من التفتت، وكأن وحدة الأوطان لا تتحقق إلا بالاستبداد، وأن الديمقراطية وحكم الشعب يجلبان التفتت والتجزئة.

2

وبدأ القدر يغلي من جديد، ولكن لم يتصاعد البخار بعد، والضجر الموجود في القلب لم يحن له أن ينفجر؛ فلم يأت الوقت بعد، أصبح الوطن طاردا لأبنائه. أما الخصومة السياسية فلم تجد لها حق التعبير عن نفسها، وتخشى الاعتقال. والبطالة والفقر، لا حل لهما في سنوات الثورة. ولا يفي النظام بما يعد مثل تكوين لجنة من الشباب للإفراج عمن يستحق الإفراج من السجون. وهل الحرية منتقاة للبعض دون البعض الآخر؟ وربما هو كلام في كلام. وفي الواقع يزداد عدد المعتقلين، ويزداد بناء السجون مثل الإسكان الشعبي. ووزارة الداخلية تصرح بأنها لم تتلق أي طلب للإفراج عن المعتقلين أو على الأقل إعداد قائمة بمن يستحق الإفراج باسم الشباب ومن لا يستحق. ومرة ثانية يتم الاجتماع مع تنظيمات حقوق المرأة، والوعد بتحقيق ما تبقى منها ولم يحدث شيء. ومرة ثالثة الاجتماع مع المعاقين، والوعد بتسهيل حياتهم المعيشية، ولم يحدث شيء. في حين أن عبد الناصر بعد الثورة بسبعة أسابيع أصدر قانون الإصلاح الزراعي لتمليك الأرض للفلاح، وتوزيع أراضي الملك والباشوات على فلاحيهم في الأرض، بدلا من العمل فيها كعبيد، وأقام محاكم الثورة، فأصدرت أحكامها على رجال العهد البائد، ولم ينتظر سنين طويلة، والمثار ضدهم يعيشون في أجنحة في مستشفى المعادي أو في قصورهم سنوات وسنوات قبل أن يبرئهم القضاء كما حدث بعد ذلك.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٨٥