وباستثناء اثنين، بقي أحدهما معي ما يفوق العشر سنوات، مثال في الأمانة والصدق والإخلاص وهو شريف صبري، وما زال يمثل ذراعي الأيمن، هو الذي يرد على المراسلات، ويكتب الخطابات. ويعد أوراق الدعوات للمؤتمرات، بالإضافة إلى الأبحاث والأوراق المقدمة في الندوات. وما تبقى له من وقت يساعدني في كتابة الأبواب والفصول للمؤلفات. والثاني محمد فاروق مثال آخر في الصدق والأمانة والولاء بالرغم من صعوبة وضعه المالي الاجتماعي. بدأ كل يوم بعد الظهر، ولما مرض عمل ثلاثة أيام. ولما أرهق عمل يومين في الأسبوع، ويحدد بنفسه حقه آخر الشهر، يكتب أيضا الأبواب والفصول لمؤلفاتي، ويراعي المكتبة، ويسجل ما يأخذه الناشرون. وما زلت أبحث عن ثالث لطباعة «ذكريات» الذي انتهيت منه هذا الأسبوع، وقد تكون ابنتي. ثم وجدت أخيرا شريف سعد، وقد كنت مشرفا وعضوا في مناقشة رسالته للماجستير، وهو أيضا مثال الكفاءة والأمانة، بالإضافة إلى ثقافته الفلسفية. وأرجو أن يظل الشريفان، صبري وسعد معي حتى أغادر هذا العالم، أمناء على مكتبتي واستمرارا في الرد على المراسلات التي تأتيني، واستقبال الزيارات التي تأتيني، وتصوير النصوص التي يشاؤها الطلاب. وجميعهم يدخلون المنزل ويخرجون بمفاتيح خاصة بهم، أستأمنهم في كل شيء في حياتي العامة والخاصة.
وكان الخاسر الأكبر في هذه الرحلة الطويلة هو الجسد؛ فقد بدأ الوهن يدب فيه: عملية القلب المفتوح لتغيير أربعة شرايين بعد أن اكتشفت ابنة أختي د. داليا عندما رأت وجهي أصفر في زيارة لأخي سيد، وأخذتني عنوة على القصر العيني، وقرروا إجراء العملية فورا، ولم يشأ الجراح أن يقوم بها في القصر العيني حيث يعمل بل في مستشفى السلام الدولي، أول طريق المعادي، ثم أجريت عملية جراحية أخرى لاستئصال المرارة خوفا من تجمع حصاوي فيها، كما أجريت عملية البروستاتا خوفا من كبرها في المستقبل. وأجريت عملية العمود الفقري بعد أن تداخلت الفقرة الرابعة والثالثة معا في انزلاق غضروفي. ولما وقعت في المنزل وأنا خارج من الحمام وانكسر فخذ الرجل اليمنى المرتبط بالحوض غيرته بمفصل حديدي، وبعدها لم أستطع السير بسهولة. ولما تعب البصر من كثرة إجهاده أجريت عمليات الماء الزرقاء والماء البيضاء. ولما لم يتحسن البصر حقنت ثلاث مرات في العين. ولما لم يتحسن البصر كثيرا أجريت عملية في العينين بالليزر. ولم يتحسن البصر حتى الآن؛ فالعصب قد ضعف بسبب السكر، ولا حل لذلك إلا القطرات طول العمر حتى لا يضعف أكثر. ولبست نظارة ميكروسوبية لتكبير الحروف، مستوردة من ألمانيا، ولكن عيناي كانت تدمعان، ثم وضعت عدسة مكبرة على الصفحة ولكن الأمل ضعيف في أن أرى بسهولة ويسر، وأنا الآن لا أرى الألوان، كل شيء أبيض وأسود أمامي، ولا أتحمل ضوء الشمس، ولا أتعرف على من يأتيني للتحية، كما أنني أجلس على كرسي متحرك في الذهاب وفي الإياب. ويرافقني ممرض قدير أطال الله في عمره، محمود محمد الدهروطي، ثقافته العامة والفنية واسعة، ضحوكا، قادرا على القيام بكل ما يطلب منه في شئون المنزل، يوفر لي كل وسائل الراحة أربعا وعشرين ساعة يوميا، بل إنه يصاحبني في الحل والترحال مثل أبو ظبي وعمان والسودان وتونس وتركيا، في المنزل والجامعة، وزوجته وأولاده في بني مزار بمحافظة المنيا، والتي منها مصطفى عبد الرازق. يذهب إليهم كل شهر مرة. ويأتي بديل له ليس له نفس القدرات، ويصعب عليه أن يتعود علي في عدة أيام، وهذا جزاء من يجلس على كرسي متحرك.
وأصبحت زوجتي وأنا من كبار السن، لا يستطيع كل منا أن يقوم بشئون نفسه؛ فلا أنا أستطيع الحركة بعد الوقوع على الأرض، ولم تعد هي قادرة على القيام بشئون المنزل، وفي حاجة إلى من يساعدها. وقد عانينا الأمرين مع الشغالات؛ فالمصرية تسرق حتى ولو كانت كفؤا، والنيجيرية تصر على أخذ أجرها بالدولار بعد ارتفاعه، والسودانية أفضلهن، ومع ذلك لا يوجد منهن أحد خاليا من العيوب. فالكل بشر مع أننا نقف بجوارهن دائما في حالة الاحتياج. جاءت إحداهن معي إلى البنك وأنا أسحب بعض المال من حسابي، واستكثرت المبلغ مع أني أصرف حوالي خمسة عشر ألفا من الجنيهات، مرتبات شهرية، المرافقين والسكرتيرين والبواب وصيانة المصعد والكهرباء والمياه والأدوية، والغذاء آخرها وأقلها كلفة، فأخبرتني أن أمها بالمستشفى تجري عملية في المخ، وبأن المطلوب منها ثلاثون ألفا من الجنيهات، وإلا تقضي نحبها، فتأثرت، وأعطيتها ما طلبت، وكتبت على نفسها وصل أمانة، فقطعته أمامها، كما فعل نجيب الريحاني مع تحية كاريوكا في «لعبة الست»؛ فالعمل الإنساني لا يحتاج إلى أوراق. وكنت قد ركبت في أسنانها طاقما لأنها يبدو أنها ضربت عند من كانت تعمل عنده قبلي، ثم ضبطت وهي تبيع مسروقات شرقية في خان الخليلي. فقبضت عليها الشرطة التي اتصلت بي كضامن لها فرفضت. وقدمت للمحاكمة، ولا أدري كم شهرا سجنا كان الحكم. والثانية كانت مرحة تعتبر نفسها من أهل البيت، تجلس معنا وتسافر معنا. ومرة أخبرتني أن سقف غرفتها فوق السطح قد وقع، وهي في العراء، وأن ثلاجتها قد توقفت عن العمل، وهناك تخفيض لا يعوض لشراء ثلاجة جديدة، فأعطيتها ما أرادت، ثم سرقت أموالا من درج مكتبي، آلاف الجنيهات، ثم غادرت، ولم ترجع، وغيرت أرقام تليفوناتها. وثالثة كانت تسرق من المطبخ ما تشاء من أوانيه، ثم اختفت فجأة، وعلمت أنها هاجرت إلى أمريكا، وتزوجت أمريكيا رأسماليا أقام لها مصنع مشغولات شرقية، وأنها أصبحت من الرأسماليين. ورابعة كان يأتيها زوجها في الصباح الباكر، وتسلم له ما تستطيع من أواني المطبخ من الشباك، ونحن في الدور الأرضي. القصص كثيرة، ولا أدري ما السبب، الأخلاق كما يقال أم الفقر؟ لا يعني ذلك أنني لم أعرف الأمينات؛ فقد عرفت بعضهن منذ ثلاثين عاما في شقتي القديمة: قبطية، تعمل هي وابنتها، وتجلس بعد أن تنهي العمل في انتظار عودتنا من العمل، صامتة لا تتكلم، كفوء وأمينة في عملها. فهل تغير الزمن؟