تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويمكن تصنيفهم إلى أنواع طبقا لدرجة صدقهم؛ فهناك الصدق المطلق مثل الهيئة العامة للكتاب ولكن تتأخر في الطباعة عدة سنوات قد تصل إلى خمس سنوات لأنها هيئة حكومية. ومنها بعض دور النشر في جيل الآباء المؤسسين مثل الأنجلو المصرية قبل أن تتحول مثل باقي الناشرين. ومثل دار غريب التي أسسها الأب فكان له طموح اللجنة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، وما إن توفي حتى اختلف الأبناء على الإرث، فتفرقوا، ولم يحافظ أحد على تراث الأب، وأسس أحدهم الشركة المصرية السعودية. ودار الطليعة في بيروت التي حاسبتني بالجنيه المصري بدلا من الدولار عندما انخفض الجنيه وارتفع الدولار. وثانيا هناك الكذب المطلق الذي أخذ الكتب ولم يعط الحقوق، دار التنوير التي نشأت في 1982م ببيروت، أسسها أحد تلاميذي السوريين بلبنان. وطبع كتبي الأولى ووزعها، وتوسع في توزيعها، وأقام الصفقات، وطبع بعض مؤلفاتي مثل «من العقيدة للثورة» في بيروت بالتعاون مع المركز الثقافي العربي المغربي اللبناني، المركز يقوم بالطباعة، وهو يدفع حقوق المؤلف، رأيته عدة مرات في بيروت والقاهرة، واختفى. وسمعت أنه نصب على غيره من الناشرين، وظل يهرب حتى سمعت أخيرا أنه قضى نحبه. ومثل دار ماي اللبنانية الليبية، وطبع لي «محمد إقبال» و«من الفناء إلى البقاء» و«من النص إلى الواقع»، وأعطاني حقي في الكتاب الأول ثم اختفى بالكتابين الأخيرين، وطباعته الفاخرة يبيعها في الخليج. وقد أخذت منه وعدا بطباعة كتبي طبعة شعبية لفقراء العرب، وتحجج بأنني طبعت الكتابين طبعة مصرية رخيصة توزع في الوطن العربي، فغرقت السوق. وأخيرا قررت الطباعة على نفقتي الخاصة، الجزأين الأخيرين: من «النقل إلى العقل: مناهج التفسير، من التفسير الطولي إلى التفسير الموضوعي»، و«علوم الفقه: من أحكام الفقه إلى أحكام الوجود» ثم «الثورة المصرية في أعوامها الخمسة الأولى» ثم «التفسير الموضوعي للقرآن الكريم». وأنا الآن أفكر في طباعة هذه «الذكريات» على نفقتي الخاصة. وهناك الصدق النسبي الذي يعطي جزءا من الحقوق ثم يختفي.

5

والثالث المحايد الذي لا يأخذ ولا يعطي مثل دار «الكتاب للنشر» ودار «عين». وهناك من يأخذ ولا يعطي مثل دار «الكتاب المصري» الذي أخذ كل ما لدي من مؤلفات من دار «غريب للتوزيع»، وبعد أن أعلن صداقته لي، وأنه يريد أن يكون ناشري وموزعي مثل «مركز دراسات الوحدة العربية» ببيروت وتعاقده مع الجابري ليكون ناشره وموزعه والمحافظ على حقوقه. وهناك دور نشر صادقة في سوريا حمى الله شعبها وخلصها من حكامها الظالمين وقادتها المنتخبين. أما المغرب فقد نشر «حوار المشرق والمغرب»، وتونس «التراث والتجديد» ولم آخذ حقوقا نظرا لاعتزازي بثقافتهم وتقديري لمثقفيهم.

وكما تعبت مع الناشرين تعبت مع السكرتارية التي تساعد في المنزل؛ فقد أتت سكرتيرة من دار قباء تعمل وقتا إضافيا عندي على نفقتي الخاصة، وكانت مدعية الإسلام، وتتظاهر بأشكاله وعباراته النمطية في الصلاة والسلام على الرسول، واقترضت مبلغا من المال تعمل به، ثم لم أرها بعد ذلك، بل إنها أخذت الكومبيوتر الخاص بي للعمل في المنزل اختصارا للوقت، ولم تعد. وتكررت الواقعة مع العديد من السكرتارية الآخرين، يقترضون المال للعمل به، ثم لا يعودون. وآخر يعمل لحسابه الخاص حتى استهلك ما لدي من إنترنت مدعيا أنه يقوم بما كلفته به من أعمال. وكل له دينه، ولا فرق في النصب والاحتيال بين دين وآخر؛ فالأخلاق تجمعهم. ومنهم من اقترض آلاف الجنيهات واختفى. وعلمت أنه كان يسرق قطع الكومبيوتر من مركز الدراسات الاجتماعية مما اضطر مديره إلى ترقيمها. كما علمت ممن يليه أنه أصيب بفشل كلوي، وأنهم يجمعون له المال في القصر العيني، ثم اقترض من أتى بعده بحجة أنه صعيدي أمين، ثم اختفى. وكنت أحمل لهم بنفسي الإفطار في رمضان، فكان يأتي بعد عمله، ويصل قبل الإفطار، ويفطر ثم يعمل لمدة ساعة ثم يغادر نظرا لزحام المواصلات. وسمعت أنه ضرب امرأته وطردها من المنزل. وكنت أعطيهم جميعا العيديات والمكافآت في المناسبات.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٨٠