ولما كنت لا أستطيع قيادة السيارة فلزمني سائق كان يعمل لابني حاتم وزوجته وأولاده وأصدقائه. ولما غادرت الأسرة استعملته أنا، وكنت كريما معه. وفي يوم طلب أن أقرضه ستة آلاف جنيه لحاجته الماسة لها، ويردها كل شهر ألفا، ففعلت لأني لم أر منه شيئا قبيحا، وكان في كل مرة أحتاج شيئا يحضره لي وأكافئه الضعف، ورد ثلاثة أشهر متتالية، وفي الشهر الرابع قال لي: هل تصبر علي هذا الشهر؟ ففعلت. وحتى أسهل عليه رد المبلغ المتبقي، وهو حوالي النصف، طلبت منه أن يعمل به، في كل مرة يوصلني إلى الجامعة أو إلى الجمعية الفلسفية المصرية أخصم الأجر سدادا لما عليه من دين، واعترض على ذلك، كيف يعود إلى أسرته مساء وجيوبه فارغة؟ ولما رأيت كثرة التلاعب منه أوقفت التعامل معه، ولم يرد باقي السلفة حتى الآن.
أما البوابون فكان جميعهم من الصعيد، وكانت الوظيفة بالنسبة للبواب مجرد مظهر، كان ينظف عربات سكان المنازل، ويقضي حاجاتهم من الأسواق، فيأخذ ضعف المرتب أو الثلاثة أضعاف، وكانت زوجاتهم تعملن عند السكان في النظافة. يأخذ أحدهم أجر الجرائد الأسبوعية، ولا يسلمها لصاحب الكشك حتى أتى يشتكي أن علي ديون شهرين! وسرق سيراميكا من تحت السلم، وكان يقترض ثم يقترض على الاقتراض، ثم عمل عند غيري لمدة شهر سايس عربات، ثم غادر إلى بلدة سوهاج.
وبائع الجرائد الذي كان يفرشها على الرصيف في كل مناسبة يأتي لطلب الإكرامية، وليس فقط العيدين، ويضيف نصف شعبان، ليلة القدر، أول السنة الهجرية، عيد ميلاد المسيح. طلب سلفة ثم سلفة يدفعها من ثمن الجرائد الأسبوعية، وغالط في الحساب أكثر من مرة، فغيرته إلى آخر أكثر أمانة، وأكثر تعليما. وكان يأتي عمال النظافة والصرف الصحي لطلب مبالغ كبيرة ليزوجوا أولادهم وبناتهم، ثم عرفت أنهم كاذبون. فهل هو الفقر؟
ومرة أخرى سمعت عن طبيب يذهب إلى كبار السن في منازلهم ويكشف عليهم ويعالجهم بخمسمائة جنيه للزيارة للفرد، فاستدعيته وأنا في المنزل، وأخذ ألف جنيه، وكتب أدوية أعرفها من قبل، ولم أره بعد ذلك. وقال إنه يحب المال، فكنت ضحية عدة مرات، واعتبرت ذلك من جانب التعلم.
وكما تحكي القصص والروايات عن العلاقة المتميزة بين الطالبة والأستاذ، وكما هو الحال في فيلم «غزل البنات»، بين ليلى مراد ونجيب الريحاني، كانت هناك طالبة شقراء تدور حولي منذ السنة الثالثة، لم تظهر علما، ولم تسأل سؤالا، وفي الدراسات العليا ظلت صامتة، وظلت تلاحقني في كل خطوة بالمشروب البارد أو الشيكولاتة حتى في معرض الكتاب. ولم ينقطع تليفونها يوميا حتى تساءلت زوجتي: ما الخبر؟ وسجلت معي رسالة عن «الزمان والسرد عند بول ريكير»، وهو موضوع صعب. وفي إحدى رحلاتي إلى الخارج أحضرت لها ترجمة إنجليزية للكتاب موضوع الرسالة، وبعد مدة جاءتني برسالة كلها شرح
Paraphrase
للكتاب. استغربت! كيف عرفت ذلك كله؟ ومتى قرأت؟ ومتى فكرت؟ يبدو أن أحد الزملاء قد قام بذلك نيابة عنها وأعطته بعض المال، وربما قام بذلك مكتب من مكاتب بين السرايات المتخصص في كتابة الرسائل نظير كثير من المال. وظلت تعطيني هدايا، دبوس ذهب لا أعرف أين هو الآن، ورابطة عنق. ولما رأيتها مرتبطة بي إلى هذا الحد أعطيتها صوري في ماليزيا وإندونيسيا مع الطلبة، وصورا أخرى لا أذكرها، واشتريت ألبومين، وطلبت منها أن ترتب هذه الصور بالمئات في هذين الألبومين، فأخذتهما مع كيس الصور وعينيها تبرقان. لم أفهم ذلك إلا بعد أن سألتني: متى ستأتي إلى المنزل؟ لم أفهم القصد إلا مؤخرا؛ أي متى تطلبني من أبي؟ وكان أخوها نجما في الحزب الوطني، ويتطلع إلى المزيد. أحضر إلي صناديق من المانجو رصها في عربتي، لا أذكر كم صندوقا، فظننت أن الأسرة كريمة ومضيافة، ولها مزارع في الفيوم. وكانت الطالبة تسألني عن خطابها، المهندس وغيره، وأنا أنصحها بألا تقبل إلا المثقف الذي يفهم طبيعة عملها في الدراسات العليا. وبعد ذلك سمعت أنها ذهبت إلى قسم الفلسفة متنازلة عن الرسالة، وتشتكي من الأساتذة الذين يغرون الطالبات، وغيرت الطالبة رقم تليفونها، ولم أرها حتى الآن. ولما كنت حريصا على صوري التذكارية طلبت زوجتي من والدتها أن ترجع ابنتها صور الأستاذ، فإذا بالأم تطلب أن أدفع عشرة آلاف جنيه تكاليف مصاريفها في الدراسات العليا! وكادت زوجتي أن تسبها. يبدو أن التخطيط كان بين الطالبة وأمها على أن تستدرجني للزواج، وأنا قاربت الثمانين، والطالبة في العشرينيات، وعيناها على البيت العربي الذي بنيته خمسة أدوار لأولادي الثلاثة ودور للسكن ودور كمركز للدراسات السينمائية لزوجتي والنصف الآخر للدراسات الفيدرالية لابني الكبير حازم، وهو تخصصه في الماجستير. وسأكتب في وصيتي رجاء لها أن تعيد الصور وأضعها في مكتبتي لأنني سأحولها ربما إلى متحف للزيارة وقد سميتها «المكتبة الفلسفية المتخصصة».