تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أعطيت عدة جوائز في مصر وخارجها. أعطيت جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، والفلسفة جزء منها عام 2007م، ولم يرشحني قسمي بل رشحني قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، في حين رشح القسم محمود حمدي إبراهيم من القسم الذي رشحني! وأعطيت جائزة النيل الكبرى عام 2015م وليس من قسمي بل بترشيح من الجمعية المصرية للدراسات التاريخية وأتيليه الإسكندرية. وكان رئيس الدولة هو الذي يسلم الجوائز للمفكرين في عيد العلم، وفي حالتي كان رئيس الجامعة ونوابه عندما بدأ التوتر المكتوم بين الرئيس والمثقفين. وأعطيت جائزة «المفكر الحر» من بولندا وسلمها لي رئيس جمهورية بولندا، وقدمني لمفكري بولندا، وألقى خطابا في حرية الفكر، ولما عرف أني أعزف الكمان طلب من الفرقة عزف كونشرتو الكمان لموزار، وطلب مني أن أعزف شيئا، فعزفت «الكمان» على العشاء في القصر، من موسيقى سيد درويش.

وقد شاركت في معظم نشاطات المجلس الأعلى للثقافة منذ إنشائه حتى حكم العسكريين، أي حتى الآن؛ فكنت أحد أعضائه البارزين قبل تشييد البناء الخاص به في أرض الأوبرا. وكان في البداية يسمى المجلس الأعلى للثقافة والآداب والعلوم الاجتماعية برئاسة يوسف السباعي. وبعد اغتياله تولى رئاسته في لجنة الفلسفة زكي نجيب محمود وفؤاد ذكريا ومحمود أمين العالم وأنا وأخيرا أنيس منصور كما طلب من فاروق حسني. كانت اللجنة في مبناها القديم تصدر «الفكر المعاصر»، «تراث الإنسانية»، «المجلة»، كما كانت تصدر «الكاتب»، وكانت متنوعة الاجتهادات، وشاركت في معظمها والتي جمعتها بعد ذلك في «قضايا معاصرة» (جزءان)، الفكر العربي المعاصر، الفكر الغربي المعاصر. رأستها وهي في المبنى الجديد وبعد عام أزحت عنها دون إبداء أسباب. وجاء من بعدي زميل مريض لم يحضر ولا جلسة ثم زميل آخر بالنيابة حتى توفي. والآن يرأسها من قضى في الكويت معظم عمره بعد أن كان أستاذا في الفلسفة اليونانية في جامعة عين شمس، ويصرح بأنه يعد مشروعا للفلسفة المصرية. ولم أكن أقبل أنيس منصور مفروضا علينا من وزير الثقافة لأن تعليقاته على الأساتذة وكأنهم جهلاء بأورتيجا وغيره من الفلاسفة، وكنت لا أقدره لأنه كان أنيس الرئيس المغدور، وكان يفتخر أن معاهدة كامب دافيد قد تم توقيعها بقلمه الذي يحتفظ به للذكرى. وفي اليوم الذي قرر فيه مناقشة كتابي فشته، فيلسوف المقاومة تعاركنا، وقذف بالكتاب أحد الأعضاء على المنصة مستهجنا حتى انتقل الاثنان إلى الرفيق الأعلى، ومن يومها لم أدخل المجلس. ولم أدع إلى حضور نشاط فيه بعد أن استولى عليه التيار المعادي للإسلاميين، وصنفت بأني من الإخوان، وأنتسب إليهم، ثم عزلت عن نشاطاته تماما وكأنني لم أعد مثقفا، وقد كانت الرئاسات السابقة لا تفرق بين إسلامي ويساري. لقد أصبحت كل مؤسسة ثقافية أو سياسية أو اقتصادية تسير على ساق واحدة، فتسير عرجاء، وترى العالم بعين واحدة فتكون عوراء، وتتنفس برئة واحدة فتختنق. وما عابوا عليه الحكم الإسلامي، أحادية الطرف، وقعوا فيه. الخطورة اليوم هو التبعية لنظام الحكم مثل الإعلام، وربما كل مؤسسات وزارة الثقافة، وهو ما جعل الثقافة خاوية؛ فالثقافة حوار بين تيارات مختلفة حتى لو كانت متعارضة أحادية، الفرقة الناجية تموت.

وكان أثري في ماليزيا وإندونيسيا وأوزباكستان وكثير من جمهوريات آسيا الوسطى كبيرا. وعرفت في إندونيسيا عبد الرحمن وحيد رئيس جماعة نهضة العلماء، والرايس رئيس جماعة المحمدية، وهما أكبر مجموعتين إسلاميتين في إندونيسيا. وأفكار اليسار الإسلامي منتشرة هناك، بدأت نهضة العلماء يسارية وانتهت يمينية، وبدأت جماعة المحمدية يمينية ثم أصبحت يسارية، وكان همي الجمع بين الجماعتين في اليسار الإسلامي، إلا أن الرغبة في الرئاسة منعت من هذا التواصل. وما زالت إندونيسيا ترسل لي سنويا في الصيف حوالي عشرين طالبا وطالبة دراسات عليا كي أستمع إلى رسائلهم وأصححها لمدة شهرين مرة أسبوعيا لعدم قدرتي على الحركة، وعندي قاعة للاجتماعات تكفيهم وأكثر. وماليزيا أكثر تحررا وعلمانية بفضل محمد محاضر رئيس الوزراء السابق بالرغم من خلافه مع أنور إبراهيم على السلطة، وقد عرفت الاثنين، ولكن الشعب كان مع محاضر. وذهبنا إلى كابل عن طريق موسكو؛ فروسيا هي الطريق الوحيد لأفغانستان، وفنادق موسكو كلها نمطية، جادة، لا زواق فيها، بين الحين والآخر تشاهد فتاة روسية شقراء بكعب طويل وميني جيب لا أدري ماذا يفعلن في بهو استقبال الزوار. وفي مطار موسكو وقفنا بالساعات للتفتيش، الأوراق، الجوازات، تأشيرات الدخول، صحيحة أو مزيفة حتى كدت أصرخ فيهم: نحن ضيوف منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. لا يدل على وجوه الموظفين والموظفات الذكاء، يريدون فقط أن يؤدوا واجبهم بحرفية مطلقة، لا توجد أي شبهة في أي من أعضاء الوفد، ومع ذلك التفتيش هو التفتيش. وفحص الأوراق هو فحص الأوراق، ولا يهم أوراق من؟ معنا مرافق يرسم له الطريق، ولا يستطيع أن يغيره، معه كاميرا خاصة للتصوير لبيان مدى ترحاب روسيا بالوفد. وحاضرت علماءهم وأهدوني العباءة الوطنية الأفغانية، ثم أخذوها لأني رفضت الذهاب إلى السفارة الأمريكية. وذهبت إلى جامعة كابل، ورأيت تمثال جمال الدين الأفغاني، مفجر الثورة العرابية في مصر وواضع أيديولوجية التحرر الوطني للعالم الإسلامي. وبعد كابل من أواسط آسيا زرنا أوزبكستان وطشقند وسمرقند وباكو، وتعرفت على علمائهم، يبدءون الطعام بالفاكهة، طلبوا مني في المسجد أن أتلو القرآن؛ فأنا من جوار الأزهر الشريف، حاولت لكن ليس مثل القراء المحترفين. وفي بخارى رأيت مدرسة بخارى. وفي طشقند توجد المدارس والمساجد العالية. وفي سمرقند مرصد أولوغ بك، والبوابة الكبيرة على مدخل المدينة. فرحت للحضارة الإسلامية، وانتشارها في أواسط آسيا، والحفاظ على آثارها، ثم حزنت على ضياعها وتحولها إلى إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي مع محاولة استقلال الشيشان.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٧٦