تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد امتد أثري إلى أمريكا اللاتينية، المكسيك وفنزويلا والأرجنتين. ورأيت مدى التشابه بين حياتهم العامة والخاصة مع حياة العرب، كانوا يتوقون إلى التحرر من سيطرة الولايات المتحدة الاقتصادية. وفي المكسيك حياة إسبانية، بها بقايا الأثر العربي القديم. وامتد أثري في جامعات أوتوا العاصمة الكندية وتورنتو وكاليجري. وحاضرت هناك مع الأساتذة العرب والكنديين. ورأيت كيف أن الأمريكتين الجنوبية والشمالية مرتبطتان بالوطن العربي والثقافة العربية، ولا خوف من تكفير أو حكم بالردة؛ حيث يسمع الطلبة والأساتذة هذا الفكر الجديد من أحد ممثليه. ولما قابلوني بعد ذلك في مؤتمرات قبلوني ومنهم من قبل يدي وكأنني شيخ طريقة جديد، سمعوا عني وقرءوا لي قبل أن يروني، وقد جاءت المناسبة الآن للتصوير معي، كي تبقى لهم ذكرى في التاريخ. ولا يعرف معظم الناس في مصر عن أمريكا اللاتينية إلا لاعبي كرة القدم.

وأثر دعوة لبعض المفكرين المصريين للحج، دعوة من الملك عبد الله مباشرة، ذهبت أنا ومحمود أمين العالم وآخرون وعشنا في المخيم مثل باقي الحجيج. ودعينا إلى الغداء مرة على مائدة الملك، فوجدنا الخراف المشوية المنتصبة واقفة على الموائد وتحتها الأرز، وفي صدر المائدة جلس الملك. وقام أحد المدعوين بإلقاء كلمة نيابة عن المدعوين، وكان فلسطينيا بليغ اللسان وهو بلال الحسن. وبعدها أردنا أن نجالس المثقفين السعوديين من مكتبة الملك عبد العزيز، فلم يستجب إلى الطلب، تحادثنا مع أنفسنا. وكان الشباب السعودي يأتوننا في المساء بلا دعوة ليجالسوا بعض المفكرين العرب الذين يسمعون عنهم، ووجدنا روحا جديدة راغبة في السماع والتعلم ومناقشة الأفكار المثيرة التي نمثلها، وكانت الجلسات تستمر حتى الصباح في بهو الفندق. وكان السؤال: هل نفتح قلوبنا لهم كما فتحوا قلوبهم لنا أم نحترس؟ ففتحنا قلوبنا بلا خوف، وتحدثنا عن مضمون الإسلام وليس شكلياته، وأنه بنية اجتماعية وليس أحكاما شرعية. وتفرجت على شعائر الحج، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، والصعود إلى عرفات من شرفة بناء مجاور، وأنا في ملابس الإحرام. ورفض محمود أمين العالم أن يلبسها أو أن يشارك في شيء، ولم يأخذ ملابس الإحرام الخاصة به؛ فهو صاحب مبدأ لا يتنازل عنه. ولما عدت كتبت «خواطر حاج» في «أخبار الأدب». ودعوت فيها إلى أن عرفات يجب أن يكون في القدس، بهذه الملايين الصاعدة فوقه خاصة وأن القدس كانت أولى الحرمين. وعجبت من أخي الذي أخذ الوالدين على نفقته الخاصة للحج مرتين، وكانت مرة واحدة تكفي من أجل إرضاء رغبات الطبقات الشعبية.

وفي هذه الفترة كان لي أصدقاء، معظمهم من «حزب التجمع» مثل محمد عودة والذي كان شيخ حارة يعرف الأصدقاء بعضهم ببعض، وكان معظم الأصدقاء الذين عرفتهم في مصر عن طريقه مثل فيليب حلاب وزوجته الصحفيين وكمال الذين رفعت والذي كان من الضباط الأحرار، وعائلة النقاش ومحمد الفولي، وكنا نجمع بين الثورة والحياة، فذهبت إلى مزرعة مجدي حسنين في بنها معهم والذي كان محافظا للبحيرة أيام عبد الناصر لنأكل البط الأصيل. وكان لي أصدقاء يعيشون في فرنسا ولكن يأتون إلى مصر خاصة بعد حرب 1973م ليساهموا في بناء مصر التي انتصرت وأزاحت عن كاهلها عار هزيمة 1967م، مثل أنور عبد الملك الذي غادر مصر في أزمة الشيوعيين مع عبد الناصر في 1958م، وأقام في باريس، وعمل بالمركز الوطني للبحث العلمي، ورشدي راشد. وبعد عام 1973م أراد أن يشد الرحال إلى مصر، ولكن أين؟ بالجامعة وهي مغلقة على أهلها بقوانينها أو في «الأهرام» وهي جريدة الدولة أو في المركز القومي للبحوث الاجتماعية وهو ما زال تقليدي الاتجاه. كان مديرا لمشروع البدائل الاجتماعية الثقافية في «جامعة الأمم المتحدة» بطوكيو، وكان على صلة قوية بمفكري العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وانتخب نائب رئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وهو خريج قسم الفلسفة بجامعة عين شمس، وتلميذ عبد الرحمن بدوي، وآخر كتبه «الوطنية هي الحل». وقد كتب فيه وفي أمثاله لطفي الخولي مقال «العابرون بعد العبور». وكان في وداعه الأخير في الكنيسة بضعة أفراد معدودة على الأصابع، كانت القاعة شبه خالية، ولم يحضر المتحدثون ولم يعتذروا، وكما هو في المثل: «البعيد عن العين بعيد عن القلب.»

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٧٧