أما حاتم فهو خريج هندسة عين شمس، مهندس اتصالات، تعرف على التيار الإسلامي هناك، إسلامي الاتجاه هو وزوجته، عمل في شركة سويرس، ثم تركها لما أغلقت. كان مسئولا عن الاتصالات الخارجية وامتداد الشركة في باكستان، وبعد بيع شركة سويرس لشركة روسية ظل يبحث عن عمل آخر حتى جاءه عمل بالسعودية ثم تركيا التي استقر بها هو والأسرة، وأسس هو وصديق له شركة اتصالات صغيرة للاستيراد والتصدير. وهو الآن سعيد بإستانبول، نذهب لزيارتهم بين الحين والآخر. وهو متزوج وله ثلاثة أطفال: أنس في الثانوية، وعلي في الإعدادية، وخديجة في الابتدائية. وهو أكثر الأولاد التزاما بالقضية التي اختارها مثل ما اختاره أبوه في أول حياته، الفكر والسياسة.
وأما حنين الصغرى فهي خريجة الجامعة الأمريكية، قسم الأدب العربي، والماجستير علوم سياسية. أرادت أن تتزوج عن تجربة حب؛ فالزواج بالطريقة التقليدية بارد لا طعم له، ووجدت ذلك في رئيسها في شركة للتنمية البشرية، وهو دكتور أطفال. وهي ما زالت مليئة بالحيوية، وعمرها الآن ثمانية وثلاثون عاما، أنجبت طفلة «لارا» أربع سنوات الآن حبيبة كل الأقارب. هي وزوجها ماركسيا الاتجاه. سافرت إلى عدة بلاد أوروبية وعربية، وهي ملتزمة مثل أخيها الأوسط لولا الزواج وأعباء الحياة والإعداد للدكتوراه ورعاية الابنة «لارا» والبحث عن عمل بعد أن أغلقت الحكومة معظم المنظمات الأهلية المتعلقة بالتنمية البشرية. وقد كان لمنظمتهم حضور كبير في الريف، وتقوم بأبحاث ميدانية حتى تقدم الأحكام النظرية على تحليلات إحصائية وموثقة.
وكانت زوجتي أمينة مكتبة بالجامعة الأمريكية، خريجة قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، وماجستير من قسم الأديان من جامعة تمبل بالولايات المتحدة. والآن هوايتها السينما، النقد والتوثيق. وحصلت على بكالوريوس المعهد العالي للسينما، ثم أسست مركزا لتوثيق السينما العربية في الدور الثاني في منزلنا الجديد «البيت العربي»، ونشرت من قبل أعمال حسن جمعة في ثلاثة أجزاء. بدأت ليبرالية وانتهت ليبرالية إسلامية. والأب يساري إسلامي. نتعايش سويا في حوار مستمر؛ فعندي في المنزل كل الاتجاهات السياسية ممثلة، والكل مسموح له أن يمارس نشاطه بحرية تامة. مرة حاول الابن الأصغر أن يضع على باب الشقة السكنية «لا إله إلا الله»، فمنعته لأن هذه الشقة بها تيارات مختلفة، توضع فقط على باب غرفتك، وعلى الحائط معلق «يا يهود، يا يهود، جيش محمد سوف يعود»، «إن الأقصى قد نادانا: من سيعيد القدس سوانا؟» وفي حجرة ابني الأكبر صورة عبد الناصر فوق خريطة الوطن العربي. وفي حجرة ابنتي الوحيدة صورة ماركس ولينين. والأب يساري إسلامي يجمع بين الإسلام والتقدم، وهو ما سمي علميا «التراث والتجديد».
وإذا كان قد تم اللجوء إلى نظام الفصلين الدراسيين منذ أيام عبد الناصر لإشغال الطلبة بعيدا عن المظاهرات، فإن الجامعة تحولت من النظام الفرنسي في الدراسات العليا، كتابة رسالتين لدكتوراه الدولة إلى النظام الأمريكي، الساعات المعتمدة مع بحث صغير، فأصبح هم الطالب أن يجمع أكثر من
A
حتى يكتب الرسالة معتمدا على الإنترنت بمئات المراجع التي لم يقرأ منها شيئا أو رسائل لا هدف منها ولا قضية، وفي نفس الوقت يدفع قدرا من المصاريف، ويدفع الطالب العربي أضعافا مضاعفة؛ فلم تعد الجامعة تهتم بالعلم، ولا الأستاذ المشرف، وأصبح هم الطالب هو نيل الدرجة العلمية، وما أسهلها! ثم تقوم المظاهرات في الشوارع بعد ذلك لأن مئات الحاصلين على شهادتي الماجستير والدكتوراه بلا عمل، فامتنعت عن الإشراف على رسائل جديدة، ولكني ما زلت أناقش بعض الرسائل القديمة التي يشرف عليها الزملاء. أما «التعليم المفتوح» فهو مشروع تجاري خالص، يدفع فيه الطالب آلاف الجنيهات، والطالب العربي الضعف ثمنا للكتب التي تشتريها الجامعة من الأستاذ، وتكون وسيطا تجاريا بين البائع والمشتري، ويأخذ الشهادة الجامعية، ولم تنطبق عليه شروطها وهو المجموع الكلي المطلوب في الثانوية العامة. وتتساوى الدرجتان العلميتان، التعليم المشروط والتعليم المفتوح؛ فالجامعة أصبحت تحمي الكتاب المقرر، وتتاجر فيه قبل الأستاذ. أصبح التعليم الجامعي حفظا وتلقينا لمعلومات يدرسها الطالب على الإنترنت، والطالب يغيب، والأستاذ يغيب، والدرجة العلمية مضمونة. ولا يمكن دعوة أستاذ من خارج الجامعة لإلقاء محاضرة إلا بموافقة سلطات الجامعة وعلى رأسها الأمن. ولا يمكن عمل أي نشاط علمي خارج المقررات الدراسية إلا بموافقة السلطات الجامعية. وعربات الأمن المركزي تحيط بالجامعة، وقد سأل أحد الزوار الأجانب رئيس الجامعة لما شاهد هذا المنظر: هل أنتم في حالة حرب؟!