تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك زملاء سلبيون لا يهتمون إلا بمصالحهم، دروسا أو توزيع كتب أو الإشراف على رسائل أو التعليم المفتوح، عذرهم أنهم يسكنون خارج القاهرة. أحدهم علمه محدود لكن أخلاقه تبدو طيبة. ومنهم من يتخذ العلم سلما للإدارة؛ فالعلم يتوقف بعد الدكتوراه، ويبدأ البحث عن الإدارة في السلم الجامعي، ولا تتوقف الإدارة إلا عند الوزارة. وهو نموذج يتكرر في جميع الأقسام، العلم وسيلة، والمنصب غاية، يستحق التقدير في العلم، والحزن في السعي إلى الإدارة أو الحزن على فقدانها. العلم الهدف القريب، والمنصب الهدف البعيد. وما أسهل أن يقع الرجل في حب هذا النموذج إذا كان امرأة! ولا نكتفي بالمظاهر؛ فإننا لا ندخل قلوب الناس. إنهم نموذج من الأساتذة الذين يتركون غيرهم للقيام بدورهم في الظلم أو في العدل، ويتخلون عن أخذ المواقف، وكما يقال في المثل المصري «معاك معاك، عليهم عليهم» باهتون في اللون أو يتلونون، وأحيانا يكونون كالعقرب يلدغون من وراء ستار، بالرغم من مدح اللسان. ينشطون في تكوين الجبهات والمحاور من أجل إشعال النار، بالرغم من براءة الوجه وسماحة الكلام، وينضم إليهم جماعة من المظلومين بالرغم من تباين المواقف. لا يدافعون عن حقوقهم، ولا يقومون بمعاركهم، ويتركون غيرهم يقومون بها؛ فمن يتقدم ويعلي صوته دفاعا عن الحق غير من يتراجع ولا يسمع دفاعا عن الحق ضد المتخاذلين الذين يحبون غيرهم القيام بدورهم بدلا عنهم. لا يعني ذلك أن هؤلاء الزملاء لا فضائل لهم؛ فلكل إنسان فضيلته التي تتغلب على أهوائه وانفعالاته؛ فالإنسان ليس شيطانا ولا ملاكا، وإنما السؤال أي الجانبين يتغلب على الآخر حتى يمتلك الفضيلة. بالفضائل تبنى الحضارات والرذائل تنهدم. ولما كان الإنسان هو صانع الحضارة فإنه هو المسئول عن بنائها بفضائله وعن هدمها برذائله. ويمكن أن أقلب الصفحة فأجد الصور والنماذج الأخرى للفضائل، وما منعني من ذلك هو أنني أخشى أن أكون من المداحين، وما أكثرهم في عصرنا! بالرغم من قول الرسول: «احثوا التراب في أفواه المداحين.» وهناك قلة من الأساتذة يدافعون عن الحق، ويدينون الباطل، لا يؤخذ برأيهم مهما علت أصواتهم، وتكررت تهديداتهم، أصوات تضيع في الهواء مهما علت؛ فلا أحد يستمع إليها، وإذا استمعوا إليها فإنها تدخل من أذن وتخرج من الأذن الأخرى. لا تعرف كيف تكون الجبهات مع الصامتين، مع ما يسمى في السياسة «حزب الكنبة» الممتنعون عن التصويت بيديها، متباطئة أو بالخروج بسرعة من القاعة حتى لا يأتي عليهم الدور، فيصوتوا بنعم أو لا. سمعت مرة أن هناك صراعا بين رئيس مجلس القسم وأحد الأعضاء الأساتذة كان قد خسر الانتخابات أمامه عندما كانت الرئاسة والعمادة بالانتخاب، وينتظر أن تلحق به رئاسة الجامعة، حاولت الإصلاح بينهما قبل أن ينتهي التحقيق باعتباري أقدم الأساتذة وأطولهم عمرا، فأصر رئيس القسم على عدم التنازل عن التحقيق، وضرورة توقيع العقاب عليه. ولما ذكرته بآية

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ، واعتذر له الزميل عدة مرات فلم يقبل الاعتذار، ولما صدرت العقوبة عليه من الجامعة باللوم رفض الاعتراف، وأصر ألا يوزع عليه حقه في جدول التدريس، والكل وافقه باستثناء أستاذتان، فأحسست أنني في عصبة، ولست في مجلس قسم علمي، وأن الكل يريد أن يأخذ نصيبه من الميراث. وذكرني ذلك برواية «علي بابا والأربعين حرامي»؛ فشتان ما بين أحلامي والواقع المعاش. ولم أدخل القسم بعدها حتى لا أشارك في ألاعيب المدرسين مع ناظر المدرسة. وتعبت من سياسة المحاور في القسم؛ فلا أنا قادر على مواجهة العداء بالعداء، ولا أنا قادر على أن أعطي محور الصداقة ما يريد من تحقيق المصالح. وظللت قائما على ساقي حتى انتهت المدة مع سن المعاش. ولا يوجد معاش في الجامعة، بل يعين الأستاذ بعد الستين أستاذا متفرغا، له نفس الحقوق للأستاذ العامل إلا المناصب الإدارية. وبعد السبعين يعين أستاذا غير متفرغ كل سنتين مرة بطلب القسم يقوم بالإشراف على الرسائل، ثم ألغي الفرق بين الأستاذ المتفرغ وغير المتفرغ، وأصبح الكل متفرغا حتى ينتقل إلى رحاب الله. ولا أدري هل يجازونه الفرق بين المرتب والمعاش كما سمعت أم إنه من لا يعمل لا ينال كما قال أحد العمداء، وقد جاءني خبر الآن أنهم يفعلون. فلم أتعرف على أحد منهم، ولا هم حاولوا التعرف علي بالرغم من أن الطلبة والأساتذة الشبان يأتون إلي من أقاصي الأرض للتعرف علي. يعرفون طريقهم منذ البداية: اختيار أستاذ يختار لهم موضوعا مضمون النجاح فيه مع درجة الشرف الأولى في الدكتوراه، وممتاز في الماجستير، معي لا شيء مضمون في الدرجات إلا العلم، يهابونني قبل التعرف علي. لم تعد الإدارة الجامعية ولا طلبة الدراسات العليا يقرءون شيئا. (6)

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٧١