ومن هذه النماذج من فضل الابتعاد بعد تحقيق غرض وهو نيل الدرجتين العلميتين. لقد تعب من العمل الجاد، ولا يريد الاستمرار فيه، وغير قادر على النموذج السابق وهو الازدواجية إلا عن بعد لأنه يعتبره سلوكا لا أخلاقيا فيؤثر الابتعاد الكلي أو النسبي تحت حجج كثيرة مثل الخلافات في القسم. ومنه من يظهر بين الحين والآخر ليبرر انقطاعه عن الأستاذ ويغرقه بالكلام الذي لا يفهم منه شيء، وبينه وبين نفسه هو غير قادر على كتابة شيء غير رسالتيه العلميتين. ومنه من يتخفى كلية لأنه يخجل من نفسه لأنه لم يكن قادرا على كتابة رسالته الثانية خارج الترجمة، فكتبها له الأستاذ بأسلوب عربي سليم ومفهوم، وأفكار متسلسلة. لم يعرف كيفية التعبير باللغة العربية، بالجملة الاسمية أو الفعلية، لها بداية ونهاية، نقل وترجم صفحات دون التعبير عن أفكار. لا يشارك في ندوة أو في مؤتمر أو يلقي محاضرة عامة أو يكتب مقالا في جريدة. هو فيلسوف من منازلهم، لا يشارك في حياة عامة أو خاصة. ويتكرر هذا النموذج كثيرا بحجة الخلاف مع القسم أو بعد المكان أو الإعارات المتتالية أو عدم الاهتمام بالعمل العام. وهو أقرب إلى المرأة منه إلى الرجل، حقيقة أم تمثيلا، هادئ الطبع. تعلم الألمانية، ولكنه لم يستطع السفر إلى الخارج لأنه لا يعرف الكومبيوتر والإنترنت، وهي وسائل الاتصال الحديثة لطالب البعثات. غالى في استعمال منهج تحليل المضمون، فاكتفى بمجرد الإحصاء دون البحث عن الدلالة. اعتمد على «قال ... يقول» نقلا عن الدارسين للموضوع. ومن يوم المناقشة حتى الآن لم يتصل بي، وقاطعني إما خوفا أو خجلا أو حرجا، وادعى أن هناك خلافات في القسم وهو بعيد عنها. ولم أر له حتى الآن كتابا عن الهيجليين الشبان ولا حتى طبع رسالتيه، ولا أدري ماذا يفعل في محاضراته؟ وكيف يواجه الطلاب؟ وقد قيل إن أحد الزملاء الشبان ضبط وهو يراسل زوجته على الإنترنت، وأنه محال للتحقيق، لا يحضر مجالس الأقسام، ولا يشارك في المؤتمرات، ولم يكتب ولو مقالا واحدا، ولا يعتني بالشئون العامة. كان أقرب إلى مدرس الابتدائي، حاولت عدة مرات أن أخرجه من هذا الطابع، ولكنه احتج بخلافات القسم! وأي قسم خال من الاختلافات؟ ولماذا لم يأت ويدافع عن الحق؟ وأعتذر إن كنت قد أخطأت في الوصف والتقدير. قد يكون هو غير ذلك، ولكن ما الدليل؟
ونوع آخر من هذا النموذج ، طالب عانى الأمرين في الماجستير في الإشراف، وساعدته قدر الإمكان في إشرافي على الدكتوراه بعد أن كانت هناك محاولات لإيقاف مناقشتها إما بالحديث مع بعض أعضاء اللجنة للاعتذار أو مع السلطة الدينية «الفاتيكان» لبيان خطورة الرسالة أو مع إدارة الكلية، وكان هناك زميل يعاديه، ربما كان هناك في الذهن شخص آخر في نفس التخصص يراد تعيينه ولم يكتف بتعيينه لمدة سنتين، من خارج هيئة التدريس، وهي مسيحية أقدر على أن تقوم بتدريس الفلسفة المسيحية، ولم تنجح هذه المحاولات، واستطاع أن يناقش. وظننت أنه سيحفظ الجميل على الأقل حتى ألقى الله أو ربما يحافظ على ذكراي. وظننت أنني أستطيع أن أعتمد عليه كذراعي اليمنى، ظل هكذا عامين أو ثلاثة أعوام. ولما كلفته بالقيام ببحث في المؤتمر السنوي للجمعية الفلسفية المصرية عن مناهج البحث في العصر الوسيط وشرحت له ماذا أقصد بذلك «أومن كي تعقل» أو «أعقل كي تؤمن» وهو موضوع شهير للغاية خاصة عند أنسليم تكلم في معركة أوغسطين مع الدوناتيين الذين كانوا يودون الاستقلال بشمال أفريقيا عن روما، فانفعلت عليه علنا بأن هذا خارج الموضوع، فاعتبر التعليق إهانة! وبدأ ينسحب شيئا فشيئا مني حتى اختفى تماما. وعهدته أن يقبل اليد عندما يسلم علي مصادفة، ورأيته يقبل يد رئيس القسم ونهرته. ورأيت له كتابا في الفلسفة المسيحية مقررا على طلبة التعليم المفتوح. لم يشارك في أي معركة ثقافية في الفلسفة المسيحية أو أعد مشروعا فيها للدراسة والبحث.