تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصداقة الهوجاء الانفعالية التي تضر أكثر ما تنفع، تقوم على التمركز على الذات. وهو عكس النموذج الأول، الغيرة والكراهية والعداوة العلنية، أحيانا ينفعل بصداقته لدرجة أنه قد ينقلب في يوم من الأيام إلى خصام دون عداوة، وقطيعة دون تواصل، مما يثير في الذهن المثل القائل: «عدو عاقل خير من صديق جاهل.» ولا مانع لديه من التقرب من الزميل الأعلى إداريا، يمدحه بقدرته على الكتابة بحيث لا يكون هناك فرق بينه وبين رجال الإعلام، يتعصب لرأيه، يصيح ويصرخ ويتشنج، لا يحاور لأنه لا يسمع الرأي الآخر، ولا يسمع إلا صوته، لا يعمل إلا تحت جناح أستاذ، فإذا توفي انتقل إلى غيره. كون ثلاثيا مع أستاذ غيور وأستاذة دون شخصية أو علم، حاولت أن تغطي هذا النقص بعد أن أصبحت في منصب إداري أعلى، وهي آخر رئيس بالانتخاب، نافقها كل الأعضاء طلبا للمصالح الخاصة للتدريس في التعليم المفتوح ومكافآت الجودة، حاول كل عضو أن يسيطر عليها بمن فيهم المدرسون، ولكنهم كتلة صماء في القسم. لم ينل من تحت الجناح الأخير إلا أقل الجوائز شأنا بتربيط مع أعضاء لجنة الفلسفة، وعندما رشح إلى جائزة أعلى لم ينل إلا صوتا واحدا. نادرا ما يتحقق هذا النموذج في شخصيات سوية، قادرة على الحوار، والأخذ والعطاء، تعاديه باقي النماذج لأنه لا يسير طبقا للمصالح الخاصة، ولا يحقق إلا المصالح العامة.

ومن هذا النموذج السادس من كان انفعاليا، يغضب بسرعة، كان يدي اليمنى في الجمعية الفلسفية بعد قطع يدي اليمنى الأولى، وأدى واجبه خير أداء بالنسبة لجمع الاشتراكات، والإشراف على الأعداد الأولى للمجلة، ثم غضب من أحد الأعضاء عندما كان يمزح معه وهو يدفع اشتراكه، فظن أن ذلك إهانة! وغادر الجمعية بلا رجعة. ومع ذلك أعتذر له إن كنت قد أخطأت في حقه حتى لا يحمل لي إلا المعروف وجميل الذكرى. (7)

الصداقة العاقلة التي تعرف عيوب النماذج السابقة وتحكم بالعقل الهادئ على ما ينفع وليس على ما يضر حرصا على المصلحة العامة، وهي صداقة مخلصة صريحة، تتفق معي في تحليل أحوال الجامعة وأحوال البلاد. كل منا يصرح بهمومه إلى الآخر، ويتحسر على الزمن القديم، زمن الأساتذة الكبار الذين تعلمنا على أيديهم قبل أن تتحول الجامعة إلى وسيط تجاري بين الطالب والأستاذ خاصة في التعليم المفتوح. تعترض على جامعة الكتب المقررة والملازم والتلقين والحفظ في مرحلة الليسانس، كما تعترض على النظام الأمريكي للدراسات العليا، نظام الساعات المعتمدة؛ فيكون هم الطالب هو تجميع أكبر قدر ممكن من

A ، ثم ينقل رسالته من الإنترنت ويتخرج حاملا الماجستير أو الدكتوراه يبحث عن عمل، ويتظاهر أمام دور الحكومة ليسمع صوته، كما تتحسر على النظام السياسي كله؛ فهذه الجامعة صورة منه. أتينا ومصر تقاوم الاستعمار والقصر والباشوات، ونغادر الآن ومصر ترزح تحت عبء التدخل الخارجي والانهيار الداخلي، وترك مركزها للخليج وإسرائيل؛ فقد تحول الصديق إلى عدو، والعدو إلى صديق. وما زالت تشعر بغربة في الجامعة واغتراب في الوطن.

وأما المعيدون الجدد فمنهم من يحتمي بالأستاذ المشرف الذي يساعده على فرض الحماية طبقا للسلوك الشعبي في حماية النبوت لأنصاره كما هو الحال في الحرافيش «التوت والنبوت» لنجيب محفوظ. ومنهم من يظل صامتا حتى يدرس الموقف ويعرف من أين يؤكل الكتف، يفرض عليه موضوع الماجستير والدكتوراه، فلا يعيش المعيد تجربة الاختيار، ولا معاناة البحث العلمي، فيتخرج شخصية باهتة، وعلمه منقول من الإنترنت، والموضوعات المنقولة من الغرب مثل «الفلسفة والبيئة» في مجتمع لا يعرف كيف يجمع القمامة، و«فلسفة المرأة» لأن الغرب يتكلم عن النسوية

feminism

في مجتمع يضرب الرجل فيه المرأة ويطلقها باللسان دون أن نتعرض إلى وضعها في التراث كنصف شاهدة، وربع زوجة، وسبية في نكاح الجهاد. ومنهم من يظهر علمه وهو طالب، ويحضر دروس الدراسات العليا وهو ما زال في الثالثة أو الرابعة ليبين علمه، وما إن يتخرج ويعين معيدا حتى يختفي. ومنهم من يبحث بجهده الخاص على منحة للسفر واستكمال الدراسات العليا بالخارج، وما إن يسافر حتى يقاطع الأساتذة، وقلما يعود، يتكبر ويستعلي، رأسا برأس. وأعتذر لهذا الجيل الجديد كله الذي لم يتعود بعد على سلوك الجيل القديم، وأهمية النقد الذاتي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٧٢