تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الابتعاد وإقصاء النفس عن الاختيار طبقا للمثل الشعبي «اللي يجيلك منه الريح سده واستريح» وهو نموذج الابتعاد والعزلة وتجنب المشرف بعد الحصول على الدرجتين العلميتين؛ فقد تحقق الهدف بعد أخذ درجة الماجستير، وكان لا يعرف كيفية الكتابة، وأرسلته إلى الكلية العلمية ببرلين

Kolleg Wissenschaftliche

لمدة عام ليتعلم الألمانية، ويدرس اليهوديات وتجميع نصوصها خاصة الفلسفة اليهودية العربية المكتوبة بالعربية ولكن بحروف عبرية، ولم يفعل شيئا في الدراسات اليهودية، وهو المشروع الذي بدأته أنا وأحمد هويدي من قسم اللغات الشرقية. وكان يريد العودة بعد شهر لولا منعته كما منعه نصر حامد أبو زيد الذي كان هناك يقضي أيضا عاما في سيمينار علوم القرآن، فاتفقنا مع أساتذة اللغات السامية أن يشتركوا معي في ذلك، فوافقوا. وأصدر أحمد هويدي وأنا جزأين لم أرهما، وبعد أن كان يقول أستاذي اختفى، ولا أدري عن المشروع شيئا. ولما رأيتهما أعجبت بالنشر في مركز اللغات والترجمة ولكني صعقت أنني رأيت علم إسرائيل على غلاف الجزء الثاني! فعاتبته أن هذا الشعار ضد المشروع الذي يقوم على نشر التراث العربي اليهودي، ونقله من الحروف العبرية إلى الحروف العربية. وكان يجب أن يراجع أغلفة الكتب . ويسير المشروع الآن ببطء للغاية نظرا لكثرة المعروض على المركز القومي للترجمة، وقلة الإمكانيات. وقد نشر هذا التراث من قبل في إسرائيل بحروفه العبرية كما هو تحت عنوان «التراث اليهودي»، وفي أوروبا وأمريكا إلى اللغات الأوروبية تحت عنوان «التراث اليهودي في العصور الوسطى». وهو خطأ تاريخي لأنه لا ينتمي إلى العصور الوسطى المسيحية الأوروبية، بل إلى الحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها الأول في الأندلس. وإذا كانت الماجستير في علم الكلام اليهودي، فقد كانت الدكتوراه في زوهار

Zohar ، في التصوف اليهودي. ولما لم يكن قد تعلم شيئا وهو في برلين بل تعرف على مجرد صديقات، لم يفهم النص الإنجليزي الذي صوره من عندي، ولم يعرف ما المقصود من الرسالة، وما التصوف اليهودي مقارنة بالديانات الأخرى، خاصة التصوف الإسلامي. كتب رسالة لا تقرأ، فأعدت له لصياغتها حتى حصل على درجة الدكتوراه، وبعد ذلك اختفى، لم يكتب مقالا واحدا! ولم يشارك في بحث واحد إلا نادرا تحت ضغط مني، ولم يكن له مشروع لدراسة الفلسفة اليهودية العربية في إسبانيا. وقد قارب على المعاش، وما زال مدرسا، وهو فرح بطبع كتابه عن الفلسفة اليهودية دون أن يشير إلى أنها رسالة الماجستير، وأن طبعاتها متعددة لأنها مقرر في مادة الفلسفة اليهودية في القسم وفي التعليم المفتوح، ثم طبع رسالته الثانية عن «زوهار» وهو كتاب «الضياء»، ولم يشر إلى أنها رسالته للدكتوراه، ولا إلى المشرف على رسالتيه، ولا حتى إلى أن الاسم مشتق من الفعل العربي «ظهر»، ولم يساهم في تنمية هذا الفرع في الفلسفة وهو الفلسفة العربية اليهودية. ويبدو أن الأستاذ يضع كثيرا من الآمال في طلبته، وأعتذر له إن كنت قد أخطأت في حقه

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا .

ونوع آخر من هذا النموذج الخامس البداية بالعلم الجاد يقرأ ويكتب بمهنية عالية، وبمجرد الحصول على الدرجتين العلميتين لم يكتب مقالا أو أثار قضية، وما أكثر القضايا الفلسفية قبل اليونان مثلا! وماذا عن حديث «اطلبوا العلم ولو في الصين.» لو كان صحيحا؟ في كل مؤتمر أدفعه هو وزملاءه للاشتراك، تأخر في الترقية، وما زال مدرسا، وسمعت أخيرا أنه تمت ترقيته. رفعت صوتي عليه لأنه لا يحضر ندوات الجمعية الفلسفية المصرية، الأحد الثاني من كل شهر، فزعل. كان يستعملني أحيانا كمساعد باحث، أبحث له في مكتبتي عن مراجع في التخصص، وأكلف أحد مساعدي بالقيام بذلك، يقرأ له الفهارس وسرعان ما يحكم لا، لا، فعجبت! ومكتبتي مفتوحة للجميع، والتصوير مجانا. ربما لم يستقر أسريا ولا عاطفيا فأثر ذلك على الناحية العلمية. وكان فيه العيب الرئيسي لهذا النموذج، لسانه معي وقلبه وسلوكه مع غيري طبقا للمصلحة، ليس لديه الشجاعة الكافية لمواجهة الظلم حتى لو أتى من رئيس القسم خوفا على مصالحه. وأستاذه كان يواجه الظلم بمفرده حتى لو ازداد الظلم ظلما؛ فالعدل في النهاية هو الذي ينتصر؛ لذلك اختصر المعتزلة أصولهم الخمسة في اثنين: التوحيد، والعدل. سمعته مرة في مجلس القسم وهو يجلس بجواري يدافع عن الكتاب المقرر. ومرة كنت أحاول المصالحة بين رئيس القسم وأحد الأساتذة الذي أحيل إلى التحقيق، وطلبت التصويت على إرجاعه للقسم، والقيام بالتدريس، فلم يصوت مع الاقتراح إلا اثنان. وقام هو وزميله التابع له بمغادرة حجرة القسم حتى لا يصوتا بنعم أو لا خوفا أو جبنا. والفريق الثالث قال إن ذلك يترك للجامعة وليس في يد القسم. وعجبت! وأرجو معذرتي إذا كنت أخطأت في شيء، إذا كنت لم أقدر الظروف الأسرية التي يعيش فيها الزميل. كان علي أن أختار إما الصمت تماما عن تجربتي الحية وأنا أكتب ذكرياتي أو أن أكون منافقا أعبر عما لا أعتقد، وهو ضرر بالتاريخ، أو أن أكون صادقا مهما أسأت في التأويل أو في التقدير، والثالث أفضل.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٦٩