تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك أيضا زميل من خارج القسم هو صديق تاريخي من أيام باريس ومؤتمر المبعوثين، وظللنا على صداقة مستمرة نحضر المؤتمرات سويا، وكل منا معجب الآخر، ثم أتت فترة بان فيها الخلاف. هو من المعجبين بالرئيس الجديد، واتهمني بأنني بعد خمسين عاما أنني من الإخوان، وأنا لا أعجب بأحد، بل مهمتي نقد الحكم بناء على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أطالب بالحريات، والإفراج عن المعتقلين، وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية بعد أن ارتفعت الأسعار، فاغتنى الأغنياء وافتقر الفقراء. اتهمني في صحيفة لا يقرؤها أحد، ورددت عليه مواجهة بأنه يعمل لحساب الدولة «عميل الدولة». كاتب مراوغ لا يوجد فيما يكتب أي نقد للوضع الحالي، وكل ما يكتبه مستمد من الإنترنت لعرض آخر النظريات في العلوم السياسية والاجتماعية، ونبهته على ذلك أكثر من مرة، فإذا لم يجده في الإنترنت طلب مني أن أكتب له هذا الموضوع في عدة أوراق. نال عدة جوائز من الخليج لأن كلامه لا يضر ولا ينفع في حين أنني منعت جائزة الملك فيصل في علم أصول الفقه، وألغيت في العام الذي تقدم فيه الناشر بكتابي في الموضوع «من النص إلى الواقع»؛ فمقالي الحسن هو ما لا يتعرض للنظام ويقول كلاما في الهواء لا يصيب، ومقالي السيئ هو الموجه ضد النظام، رئيسا أو مؤسسات لأنه يصيب. وعندما نكون على منصة واحدة يتكلم كلاما ليس موجها ضد أحد، فأحسست أنه أيضا غيور مثل باقي الزملاء الذين أعيش بينهم منذ خمسين عاما، وما زلنا متخاصمين؛ فأنا لا أحب التابع للنظام، وهو لا يحب الناقد له، طريقان مختلفان. وكثيرون غيرهم كونوا جماعة مضادة لي في مؤتمرات وندوات، ولكني لا أرد. لم يزر إسرائيل مثل غيره من الاجتماعيين ولكن لا مانع لديه من استقبال صحفيين إسرائيليين في مكتبه بالرغم من الثورة عليه.

ومنهم من كان صديقي الأول في مصر أستاذا ورئيس قسم الفلسفة بعد تعييني في القاهرة، استقبلني استقبالا حارا، وانتدبني للتدريس بالقسم بعد سفر رئيس القسم السابق إلى إيران ثم إلى باريس، وقراره بعدم العودة نهائيا إلى مصر لأن القسم طلب منه أن يكتب طلبا للعودة بعد جوازه السنوات المقررة بالإعارات فرفض لأن كرامته لا تسمح بذلك. وكنت أهديه أول نسخة من أي كتاب يصدر لي، ثم غادر في إعارة، وتجاوز المدة المقررة بخمسة أضعافها، وعاد وهو يريد أن يصبح صحفيا مثل هيكل، فكتب مرة أو مرتين في الأهرام فلم يلتفت إليه أحد؛ فشتان بين الكاتبين. ونظرا لطول إقامته في الإعارة بمفرده استعمل حريته إلى أقصى حد حتى بعد العودة، وعلمت أسرته بذلك فأتتني باعتباره صديقي الأول في مصر ، وأسرت لي بما يدور في خلدها وهي تبكي، فلم أستطع إلا أن أتعاطف معها، ثم جاء الصديق ليقنعني بموقفه، ويأخذني إلى صفه كما فعل كل زملائه بالقسم رغبة في الإعارة أو مدها. ولما كنت أبغي الحق فلم أغير موقفي، فما رأيت منه إلا أن كتب مقالا طويلا ضدي، وضد «اليسار الإسلامي»، واتهمني بأنني زعيم الحركة السلفية وممثل الإمام الخميني في مصر ومن أنصار الثورة الإسلامية في إيران في وقت كان النظام السياسي في مصر يعادي الثورة خوفا من الإخوان. وكان الرئيس يغالط في كلماته، ويتهم الخميني بأنه يقول «الله أكبر، الخميني أكبر.» أي إنه أكبر من الله مع أن الكلمة الفارسية «هربر» تعني قائدا أو زعيما. وظل الرئيس يعتمد على هذه المغالطة لتملق الحس الديني للجماهير، فتعادي الثورة الإيرانية. فحزنت أن ذلك يأتي من أعز صديق لي في مصر، فقاطعته. وعلم صديق مشترك بيننا علماني الاتجاه مثله، ودعانا إلى العشاء عنده لعلنا نصطلح، وأدخلنا الشرفة وأغلقها علينا. وانتظر هو أن أفاتحه في الأمر مع أني هو المعتدى عليه، وانتظرت أنا ليبدأ بالاعتذار، ويوضح موقفه، ولكنه لم يفعل استكبارا؛ فمن مثله يعتذر؟ ومن مثلي حتى يتم الاعتذار له؟ وبعد مدة لا نعرف ماذا نقول وفي أي موضوع نتحدث غادرنا الشرفة، والصديق المشترك يتعجب من عدم إتمام المصالحة. ورأيته مرة واحدة في عزاء زميل مشترك آخر بالمجلس الأعلى للثقافة، يسنده اثنان لأنه لا يستطيع السير، ومن يومها لم أره حتى وفاته. تحدثت إليه مرة واحدة تليفونيا عندما علمت أنه قد هدد من الجماعات الإسلامية بالقتل، وأطمأننت عليه، وأعلنت مساندتي له، ووقوفي بجانبه. (2)

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٦٦