تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغيرة التي تتحول إلى كراهية ثم إلى كراهية بدلا من المنافسة الشريفة، نموذج الغيرة من العلماء دون التقدير أو حتى المنافسة الشريفة والتحدي المهني؛ فتتحول هذه الغيرة إلى كراهية، والكراهية إلى عداوة علنية، خاصة إذا كان في اليد سلطة وقدرة على الإيذاء، بتعاون مع الإدارة لتحويل هذه الأهواء إلى قرارات إدارية مثل المنع من التدريس أو عدم الموافقة على تقرير اللجنة العلمية للترقية في مجلس القسم حينما يكون الأستاذ الوحيد أو يخاف منه باقي الأساتذة اتقاء لشره، وحرصا على مصالحه. وتتدرج الكراهية من مجلس القسم إلى مجلس الكلية إلى مجلس الجامعة؛ فهذه المجالس تأتمر بأمر الأمن لمعاقبة من يقف ضد النظام. ويعود القرار بالترقية إلى اللجنة العلمية فتعيده إلى المجالس الإدارية فإنها قالت كلمتها؛ فإن القرار بالترقية هو قرار اللجنة العلمية وليس موافقة المجالس الإدارية، فتسقط الأهواء الذاتية أمام موضوعية العلم، وينال هذا النموذج جزاءه من الدنيا قبل الآخرة بالإهمال وعدم نيل أي استحقاق علمي، وتفرق الطلبة عنه وإصابته بالكسور والأمراض وعدم التوفيق الأسري، وينتظر نهايته منبوذا من الجميع إلا ممن استمر على النفاق والمداهنة بدافع الإخلاص والوفاء.

ويتكرر هذا النموذج حتى في التلاميذ ضد أساتذتهم والذي قد يصل إلى حد الإحالة إلى التحقيق لتوقيع العقاب أو مرة إلى القضاء إذا كان العقاب الجامعي لا يكفي، «الفاضي يعمل قاضي»، يشعر أنه أخذ الماجستير أو الدكتوراه بغير حق، ويفرح أنه تمت ترقيته إلى أستاذ مساعد وأستاذ وهو لا يستحق، وينال مناصب إدارية لأنه ينفذ ما يطلب منه من ممثلي النظام، ليس له مؤلف يعرف به أو يقوم بها تخصصه، وليس له دور في الثقافة العامة، يستمر في الإيذاء لإثبات الوجود، وهو محط احتقار الجميع. ويتحول هذا النموذج إلى خارج الجامعة، من الغيرة والكراهية والعدوان إلى الاستعلاء والاستكبار على الآخرين؛ فهو الأجمل والأعلم والأقدر على الصعود على أكتاف المشاهير وعن طريق صداقاته العليا أو الأيديولوجيات التقدمية ليعلو ويستكبر به على الجهلاء، يتوسط به الصغار حتى ولو كانوا من الأساتذة لقضاء مصالحهم، ويرقى في الدرجات العلمية باختيار لجان فحص أقل علما وقدرة. وقد انتشر هذا النموذج خارج القسم في الأقسام المشابهة في جامعات المحافظات؛ فالنموذج يتحول من فرد مؤسس إلى عصبة تتبادل المصالح. وهو قادر على الفهم، ولكنه كما يستعلي على الزملاء يستعلي على النص، وينظر إليه من عل، ويعيد التعبير عنه بلغته الخاصة، كتب عدة مقالات في إحدى المجلات العربية الشهيرة عن طريق الواسطة، وتوسط لمن أشرف عليه في الدكتوراه كي يأخذ جائزة الدولة التقديرية بعدي بعام، كان يرى أنه مخلوق من جنس آخر غير بني آدم، من ذهب وليس من طين، تأخر في ترقيته والتي تمت أخيرا عن طريق لجنة اثنان يميلان ويتحيزان له، الأولى لضعفه العلمي، والثانية لصداقته لأستاذه، وما زال يخاصم ويصادق طبقا لأهوائه ومصالحه مثل أستاذه، وأرجو أن يرقى إلى أستاذ قبل أن يحال إلى المعاش، وأعتذر أيضا لذلك. قد يكون الانطباع خاطئا، وقد يكون الأمر أفضل بكثير مما أتصور. وهل من الضروري الحكم على الأشخاص بما يجب أن يكون أم يكفي بما هو كائن؟ وبماذا يجيب كانط؟ أعتذر للجميع مرة ثانية، وأذكرهم بأنني معهم وليس عليهم؛ فأنا بمثابة الأب، وأذكرهم بآية:

ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .

ومن ينتمي إلى النموذج الأول كان أول من أوصت دار نشر بمراجعة ترجمتي لكتاب جان بول سارتر «تعالي الأنا موجود»، وكان يحسن استعمال المصطلحات الفلسفية، وله قاموس بالاشتراك عن المصطلح الفلسفي. لم يكن قد ظهر اتجاهه السياسي بعد إلا أنه ماركسي، وأنا لم أشعر أنه كذلك. يبدو أنه كان كذلك عندما كانت الماركسية رائجة من خلال الاشتراكية العربية. والآن يعيش على قضيتين: أن ابن رشد ليس مثله من قبل ولا من بعد، وهو ممثل العقلانية. والثانية الهجوم على الأصولية، والدفاع عن العلمانية الغربية. ارتبط بالدوائر الفلسفية الغربية أكثر من العربية، ويكتب أسبوعيا في الأهرام ويكرر نفسه. لم يحصل على أي جائزة، وهو الآن مفكر الجامعة للهجوم على الإسلاميين.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٦٥