تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصداقة التي تنقلب إلى غيرة وعداوة في فترتين من العمر، من النقيض إلى النقيض. وهو النموذج الثاني الذي تبدو عليه علامات النبوغ الفكري كمفكر وليس كباحث، والبحث العلمي أداة للتفكير الحر. وجد صعوبات في حصوله على الماجستير لأن الفلسفة الإسلامية كانت تتم بشكل تقليدي تاريخي. وكرر نفس الشيء في الدكتوراه معي، فكر جيد ولكن بحث علمي ضعيف غير موثق، فنصحته أنه يمكن أن يحصل على الدكتوراه معي، ولكن المهم ما بعد الدكتوراه أن يعيد النظر في منهجه لأنه لا يحفر بيديه ويستخرج النفط من البئر بنفسه دون أن يعتمد على أفكار الآخرين، ويعيد إنتاجها بأسلوب جديد؛ فجيد أن يكون الإنسان مفكرا بعد البحث والتمحيص والحفر باليدين، وليس قبله، ولم يستمع. كان يريد الشهرة بسرعة، فالتصق بتلميذي الآخر نصر حامد أبو زيد لأنه لم يعترض على الشهرة السريعة أو مخاطبة الإعلام. وبدأ الخروج إلى الإعلام، وكتابة أفكاره في الصحف، فكان يأخذ قطعة من «النداغة» من فمي فيكون منها بالونة كبيرة حتى تكبر ويراها الناس ثم تنفجر بسرعة لأنها لا تستمد هواءها من ذاتها. كان هدفه الشرب من بئري لينال شهرة نصر حامد أبو زيد؛ فهو خليفته، مع أنه على النقيض؛ فنصر حفر بيديه بعد أن أخذ الشرارة مني. ونبهته إلى أن ذلك ليس بحثا علميا، ونبهته إلى أن البحث العلمي ليس أخذ قطعة من السكر أو الملح من ماء غيره ويذيبها، فلم يستمع، وتقدم ببحوث من هذا النوع، العلم مني والشهرة من نصر حامد أبو زيد، وأسمع من الزملاء أنه كان كثير النقد والتجريح لي. ومرة أراني زميل ما كتبه على الفيسبوك بأنني كاهن الفلسفة في مصر، ورجل النساء والشهرة والمال والأسفار، وأنني لا أعرف الموضوعية ولا الملوخية، وأنني سبب تعطيله في الترقية إلى أستاذ مساعد. وعندما كلفته بجمع أوراق «التراث والتجديد» تقدم بها للترقية إلى أستاذ مساعد عن «الثيولوجيا والأنثربولوجيا»، وأخذ من نصر حامد أبو زيد «النص والخطاب». مع أنه طلب الأوراق التي وصلت إلى الجمعية فأعطيناها له؛ فالعلم ليس فيه احتكار. وقد وجد صعوبة في الترقية، وتقدم أربع مرات، ورفضت الترقية لعيب في المنهج، فتقدم إلى لجنة التظلمات التي كونت لجنة ثانية «مطبوخة» فرقته. وأنا لا أعطي لذلك أي اهتمام حتى إنه قال إني أغار منه! وعرف العميد ذلك وسألني هل يقدمه إلى التحقيق، فرفضت؛ فكيف يشكو الأب أبناءه؟ كما أن الزمن سيعلمه. وقد تقرب من أحد الأساتذة الغيورين مني والذي أعطى زوجته رسالة ماجستير عن «إخوان الصفا» في إحدى الجامعات الإقليمية. اخترته عضوا في لجنة مناقشة طلب لرسالة دكتوراه، وما إن علم العضو الثالث حتى أراد الاعتذار، وخفت أن يأتي الإعلام فيصور المناقشة، ويشهر في اليوم الثاني بنا، فطلبت تغييره إلى أستاذ آخر بناء على طلبه. وجاء مدرس كاره، وكان تلميذا لي من قبل، ويظن أنني وقفت ضده في ترقيته إلى أستاذ مساعد منذ عدة سنوات، يطعن في أمام القسم دون أن يتحدث هو بأنه هو الذي طلب الانسحاب. وقد صاحب نصر حامد أبو زيد في رحلته الأخيرة من إندونيسيا إلى القاهرة، ثم توفي نصر بعدها بعد أن طلبت منه زوجته نقله إلى القاهرة، وليس إلى هولندا. قال نصر قبل أن يغادر هذا العالم: «علينا ألا نترك أستاذنا وحيدا، وأن نقف معه، ونتعلم منه.» وحينها اتصل بي الأستاذ آخر مرة، وقال إنه يريد أن يحتفل بعيد ميلادي ليس بالطريقة المعهودة، فأفرغت ما في قلبي تجاهه، مددت له ذراعي فقطعه. كانت كتابته أشبه بالمقالات الثقافية المطولة، يعرض أفكاري وكأنها أفكاره، ولم يشر إلي ولو لمرة واحدة في إحالاته المرجعية، وكأن هذا الماء قد خرج من بئره. لم يهدني أي كتيب من كتيباته ظانا أنني لم اكتشف خداعه ومصادره غير المعلنة. كان القسم يعتبره خير من يخلفني، ولكني اكتشفت باطنه كما عرفت ظاهره؛ فقد كان يبدي إخلاصا لي في الظاهر، ويبطن عداوة في الباطن، ثم توفي بعدها رحمه الله دون أن ينال لقب باحث أو مفكر، وسمعت أنه قال وهو في النزع الأخير: حسن حنفي هو أستاذي في النهاية. وتكونت حلقة معادية لي من تلاميذي الذين أصبحوا أساتذة بأنني السبب في إجهاضه بل وموته شهيدا للفلسفة بسبب كراهية القسم له. وتقرب إلي أستاذ كان في معيته، وكان يسعى إلى نحو الشهرة والمال، وكان يكتب في «الأهرام» و«القاهرة»، وجعلوه نائب رئيس لجنة الاحتفال بنصر حامد أبو زيد بعد أن كانت زوجته رئيسا، ولكنه كان يريد أن يكون الرئيس ولا أحد غيره. أتى مرة إلى مؤتمر الجمعية الفلسفية المصرية، وحضر يوما واحدا لأن هناك عربة ستغادر إلى القاهرة، وكان سؤاله: «هل أنت رئيس كل الجلسات دائما؟» وقد أراد زحزحتي عن درس التأويل في الدراسات العليا، ولو كان طلبه بمحبة لكنت تركته له. كان إذا أتاني الطلبة الإندونيسيون عندي كما يفعلون كل عام أدعوه للمشاركة. ودعا هو رئيس جمعية نهضة العلماء إلى الأهرام مع أحد كتابه الغيورين وسأل: «طبعا أنت راجع من السفر وتعبان ولا تستطيع أن تأتي إلى «الأهرام»؟» فأجبته: نعم. أراد أن يحل محلي ومحل نصر حامد أبو زيد، كان يريد أن يسير على طريق شقه غيره، وكانت الدراسات العليا عند فلان، مثل «من محمد عبده إليه» لوصف مسار الفكر الإصلاحي. هذه شهادة للحق وأعتذر له وهو في السماء حيث يسود الحق والعدل إن كنت قد ظلمته في شيء، وليرد علي أحد من مجموعته. وقد يحدث هذا في الطبعة الثانية من الذكريات يردون فيه على تجربتي مع الراحلين؛ فربما أكون قد أسرفت أو أولت أو ظلمت. والله أعلم. (3)

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٦٧