تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتلقيت دعوة في الصيف لزيارة اليابان، جامعة طوكيو، زميلا لإيزوإتاجاكي لتدريس فلسفة الغرب والشرق، دراسة مقارنة، ويركز هو على تدريس الفكر الإسلامي في الوسط، فذهبت أنا وزوجتي وأولادي الثلاثة إلى طوكيو. دخل حازم وحاتم المدرسة الفرنسية ذاهبين بالمترو، وحنين إلى الحضانة نوصلها على دراجة مثل معظم اليابانيين. وسكنا في بيت للجامعة، وفي البيت المجاور إيراني وزوجته من المعارضين للثورة. وعجبت من سهولة الحياة، بجوارنا ست أوان، في كل آنية نوع من المخلفات: الزجاج، البلاستيك، الكانز، الكارتون، الجرائد، ثم مخلفات المطبخ. وهذا يسهل على تدويرها لإعادة استعمالها. والمواصلات في طوكيو عن طريق المترو تحت الأرض، وتذاكر إلكترونية تفتح البوابات آليا، لا أحد يدفع أحدا أو يسابقه، لا أحد يعاكس أحدا أو يتحرش به، الشوارع نظيفة، وكل ياباني يكنس الرصيف أمام بيته بمن في ذلك رئيس الوزراء. والمطاعم وما أكثرها! بين كل مطعم ومطعم مطعم، وأمامنا كرة حمراء معلقة، والأكلة الشهيرة إسباجيتي بالمرقة، تؤكل بالعصايتين الشهيرتين. والياباني لا يأكل مع زوجته رسميا إلا في نهاية الأسبوع عندما يلبس الكيمونو الياباني، ويذهب الجميع إلى المعبد. والطالب الياباني يستمع جيدا للأستاذ ويدون ملاحظاته، ولكنه لا يناقش ولا يعبر عن تساؤلاته للأستاذ، بل لرئيس الشركة التي يأتي منها؛ فالفائدة عملية له وليس نقاشا حرا بغية العلم مع الأستاذ، والبحث عن الحقيقة أو كيفية البحث عنها؛ فالأستاذ يحاضر وكأنه يكلم نفسه.

وبعد أن انتهى عام جامعة طوكيو دعتني جامعة الأمم المتحدة، وهي الجامعة التي أنشأها يوتانت سكرتير عام الأمم المتحدة الفيتنامي من أجل ربط العالم الثالث بمجموعة من الباحثين الشبان، تنشر الجامعة أعمالهم، وتخرج الجامعات اليابانية من عزلتها، وليست جامعة طلاب وشهادات ودرجات علمية، كي أشرف على الأبحاث في العلوم الاجتماعية فيها، أنسق بينها بدلا من تناثرها، فذهبت لمدة عامين 1985-1987م. وكان هناك مشروعان كبيران: الأول لأنور عبد الملك بعنوان «البدائل الاجتماعية الثقافية»

Socio-Cultural Alternatives (SCA) . والثاني عن التنمية الوطنية لعالم نرويجي كبير استقر في اليابان وتزوج يابانية، ويدور على العالم شرقا وغربا، ويشرف عليه أزنييرو. وكان حسام عيسى قبلي في هذا المنصب، وكنت أزور مواقع البحث العلمي في أفريقيا وآسيا وفي أفريقيا في غانا حيث كان سمير أمين يقوم ببحث في المكتب التابع للأمم المتحدة. وكان هناك مكتبان: الأول في القاهرة يشرف عليه أبو سيف. والثاني في كوناكري-نانا يشرف عليه سمير أمين، يستعملان المنهج الماركسي، كانا لا يقبلاني بسهولة وأنا لست ماركسيا بل يساريا إسلاميا. قابلت سمير أمين في إحدى المسيرات الشعبية في روما ضد الاستعمار، وجها لوجه وكأنه لا يعرفني، وكنت في مكتب القاهرة كنت أشعر أنني غريب عنه، ولسان حاله يقول: ما الذي أتى به إلى هنا ؟ كان الأول معروفا برسالته للدكتوراه بعنون «النمو اللامتكافئ»

Unequal Development ، يأتي إلى مصر بين الحين والآخر، تستقبله دار نشر عين لعدة أسباب، علمية وغير علمية، كما عرف لبنانية كثيرة الكلام كمثقف لبعض هذه الأسباب. ويحمد له أن جمع حوله عديدا من الباحثين الشبان الأفارقة.

وفي الهند عند الباحثين الشبان الجدد، وفي مصر في المكتب التابع للأمم المتحدة. وكانت كل هذه البحوث تحت إشراف موشاكوجي، عالم ومفكر وباحث منفتح على العالم الثالث خاصة أمريكا اللاتينية. وكان رئيس الجامعة من إندونيسيا، المرشح لرئاسة الجمهورية. كان مفكرا من مفكري العالم الثالث. وفي كل مرة أذهب إلى أحد مراكز البحث في أفريقيا أمر على القاهرة لأرى الأسرة. ولم أنقطع عن طلابي فكان نصر حامد أبو زيد في أوساكا أستاذ اللغة العربية، وكنا نتهاتف كل يوم، وهو يكتب «مفهوم النص»، ودعوته إلى مؤتمرات الجامعة عن الثقافة العربية حول مفهوم النص. وبعد سنتين في جامعة الأمم المتحدة وسنة في جامعة طوكيو وسنتين في المغرب يكون المجموع خمس سنوات، وهو ما تسمح به قوانين الجامعة المصرية، فعدت. وكان يمكنني أن أجدد إقامتي بجامعة الأمم المتحدة باعتبارها مهمة قومية، وعلى صلة دائمة بسفير مصر في اليابان وبمستشارها الثقافي الذي كان لا صوت له تقريبا، والمعار من إحدى الجامعات المصرية خاصة قسم اللغة اليابانية بكلية الآداب. وكان أحد الماركسيين المصريين يحوم حول المنصب كي يخلعني مع تشجيع ومؤازرة من كانوا قبلي في المنصب. وكانت أسرتي قد غادرت طوكيو بعد عام واحد نظرا لأن ابني الكبير حازم قد وصل إلى مرحلة الثانوية العامة، وهي شهادة لا يمكن امتحانها في الخارج مثل باقي السنوات السابقة في السفارة المصرية. وكان أحمد عبد الحليم يراسلني في فيورباخ، وأرسل لي رسالته لقراءتها وإعداد الملاحظات عليها. وقبل العودة النهائية، عادت زوجتي إلى طوكيو لتساعدني في الإعداد للعودة النهائية. وأثناء العودة وبمصاحبة زوجتي بدأنا ببانجوك، والمعبد الكبير لبوذا ثم مانيلا وحي اللهو، ثم جاكرتا إندونيسيا وكولالمبور وماليزيا وسنغافورة. وفي كل دولة أتعرف على جامعاتها وأساتذتها ومدى ما وصل إليه المسلمون من مناصب. تعرفت على عبد الرحمن وحيد رئيس جماعة نهضة العلماء بإندونيسيا والذي أصبح رئيس جمهوريتها فيما بعد. دعاني إلى القصر الجمهوري وألقى محاضرة عن فكري والحاضرون ينظرون إلي بإعجاب. وكان قد أتى إلى القاهرة من قبل وهو طالب واستمع إلى محاضراتي قبل أن يكمل دراسته، وغادر إلى العراق. وتعرفت على زين العابدين رئيس جماعة المسلمين بسنغافورة والذي أصبح فيما بعد عمدة لها؛ فقبل العودة إلى القاهرة كان الطواف بالشرق الآسيوي بعد الطواف في المغرب العربي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٦٠